جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 439
تاريخ البث : يوم السبت 29 شوّال 1444هـ الموافق 20 / 5 / 2023م
تأتي هذه المحاضرة استكمالًا للجواب عن سؤال السائل المصري الحائر بين المذاهب، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة - الحلقة 439) استعراض الصور الوثائقية الخطيرة من المكتبة السنية، لينتقل إلى عرض الصورة العاشرة التي وعد بها في الحلقة الماضية، وهي واقعة رزية الخميس، داعيًا إلى التخلي عن سنة سقيفة بني ساعدة وشيعة سقيفة بني طوسي واللجوء الحصري إلى دين النبي الأعظم صلى الله عليه وآله القائم على عمودي الكتاب والعترة.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول إثبات أن رزية الخميس لم تكن حدثًا عابرًا أو اجتهادًا طارئًا، بل كانت مؤامرة مبيتة أدارها كبار الصحابة بقيادة عمر بن الخطاب لمنع رسول الله صلى الله عليه وآله من كتابة الكتاب العاصم من الضلال، وهو ما شكل التمهيد المباشر لاغتصاب الخلافة في سقيفة بني ساعدة والتنكر لمواثيق بيعة الغدير، مما أدى إلى انحراف المسار العقائدي والسياسي للأمة.
اعتمد الشيخ الأسلوب السقراطي القائم على طرح أسئلة منطقية تكشف حقائق الواقعة وتتضمن إجاباتها في طياتها دون الحاجة لتكلف الجواب، فبدأ بتسليط الضوء على موقف الصحابة عقب منع النبي من الكتاب وطردِهم من حجرفته الشريفة؛ متسائلًا عن السبب الذي منعهم من التقديم بالاعتذار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عاجلًا أو آجلًا خلال الأيام الأربعة التي سبقت شهادته، ولماذا لم يظهروا أي ندم أو يعلنوا التوبة عن قبح ما اقترفوه بحقه في آخر ساعات حياته، ولماذا لم يصَبهم الفزع أو تتبدل أحوالهم حين طردهم صلوات الله عليه وآله من بيته، مما يدل على أن الأمر كان مدبرًا ومخططًا له بدم بارد.
وواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي طرح حزمة الأسئلة المتعلقة بـ الكتاب العاصم ومسار الأحداث اللاحقة، متسائلًا: لماذا لم يعودوا للمطالبة بكتُبِ هذا النص الذي يضمن للأمة الأمان الأبدي من الضلال لو كانوا حرصاء على مصلحتها؟ ولماذا لم ينشغلوا مع آل الرسول صلوات الله عليهم بالحزن على فقده ومشاركتهم في تجهيزه وعزائه بدلاً من المسارعة إلى عقد اجتماعاتهم المغلقة؟ وإذا كانت تحركاتهم لمصلحة الأمة كما يدعون، فلماذا تسللوا كاللصوص إلى سقيفة بني ساعدة وتجنبوا الاجتماع العلني في المسجد النبوي كما كان يفعل النبي في الأمور الجسيمة؟
ثم تناول الشيخ تناقضات حجج القوم في السقيفة وإقصاء أهل البيت، متسائلًا عن سبب انتقالهم إلى المسجد النبوي بعد إحكام المؤامرة فقط، وعن سر غياب أي شخص من أهل البيت صلوات الله عليهم أو بني هاشم في السقيفة وعدم طرح اسم أي منهم في الترشيح، رغم أن احتجاج عمر على الأنصار قام حصرًا على أن الخلافة حق لقريش لكونها شجرة النبي؛ فاقتطعوا الشجرة وأضاعوا الثمرة كما عبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة: «احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ»، متجاهلين النص والوصية وعهد بيعة الغدير الذي لم يمضِ عليه سوى سبعين يومًا، ومتجاهلين قول أمير المؤمنين عليه السلام: «فَإِنْ كُنْتَ بِالشَّوْرَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ ... فَكَيْفَ بِهَذَا وَالمُشِيرُونَ غُيَّبُوا».
وانتقل الشيخ إلى إثارة الأسئلة حول موقف الأمة والمؤسسات الدينية في الماضي والحاضر، متسائلًا عن سبب غياب أي موقف نقدِي أو مراجعة حقيقية لحدث رزية الخميس على مر التاريخ، ولماذا يُحظر مناقشة هذا الأصل الفاسد في زمننا الحالي تحت ذريعة منع "تفريق الأمة"؛ موضحًا أن التجمع على الفساد ضلال محض. كما انتقد الشيخ تسارع المرجعيات في المذهب الطوسي إلى مهادنة منهج السقيفة ونبذ العهد المأخوذ منهم، مستشهدًا برسالة إمام زماننا صلوات الله عليه إلى الشيخ المفيد التي ورد فيها: «وَمَعْرِفَتُنَا بِالزَّلَلِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعًا، وَنَبَذُوا العَهْدَ المَأْخُوذَ مِنْهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».
وفكك الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المضمون العميق لمنع النبي من كتابة الكتاب أمام الملأ، موضحًا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يترك الأمة بلا توثيق، بل وثق هذا الكتاب الشريف إملاءً وكتابةً وأشهد عليه خلّص أصحابه كـ سلمان والمقداد وأبي ذر، وأودعه عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه ليكون ضمن مواريث النبوة ودلائل الإمامة. وبيّن الشيخ أن هذا الوثيقة المكتوبة محفوظ لدى إمام زماننا صلوات الله عليه وسوف يخرجه للعالم في عرض مباشر عند ظهوره الشريف، لتقوم به الحجة البالغة وتتكشف للبشرية أبعاد الرحمة الإلهية والمؤامرة التي حُرِموا بسببها من الهداية.
وأبرز الشيخ التناقض الصارخ والازدواجية في التعاطي التاريخي والتراثي كما هو مدون في صحيح البخاري وتاريخ الطبري؛ فبينما جرى صد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في كامل وعيه وعصمته بدعوى أنه "غلبه الوجع" وأن "كتاب الله حسبنا"، يتقبل المنهج السني ويمجد وصية أبي بكر لعمر التي كتبها عثمان بن عفان أثناء غيبوبة أبي بكر وإغمائه التام ومسارعتهم لإقرارها دون أي اعتراض أو ادعاء بالهجر، مما يكشف أن الشعار رفُع فقط للحيلولة دون وصول أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى حقِهِ الإلهي.
واستعرض الشيخ طبيعة الشورى العمرية الواردة في تاريخ الطبري وببيان أمير المؤمنين صلوات الله عليه في بحار الأنوار؛ حيث أمَر عمر صهيبًا بالصلاة بالناس وجعل الشورى في ستة، مهددًا بضرب رأس من يخالف الأكثرية («فَاشْدُخْ رَأْسَهُ»)، وهو استهداف مباشر صريح لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه الممتنع عن شرط العمل بسيرة الشيخين المتناقضة مع الشريعة الهادية. وأكد الشيخ أن هذه الشورى القسرية مثلت التأسيس التاريخي لمنطق الإكراه والقتل الذريعة الذي امتدت آثاره الكارثية عبر التاريخ.
واختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالدعوة إلى التمسك المطلق بـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي يدور الحق معه حيثما دار، مستحضرًا الوصية النبوية الخالدة لعمار بن ياسر: «يَا عَمَّارُ إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ سَلَكُوا فِي مُخْتَلِفِ الْوِدْيَانِ فَاسْلُكْ فِي الْوَادِي الَّذِي يَسْلُكُ فِيهِ عَلِيٌّ». وجدد الشيخ الرسالة العملية للحلقة بضرورة الوعي والتبرؤ من ظلامات السقيفة ومخالفات المذهب الطوسي، والعودة الصادقة لنقاء الثقلين الكتاب والعترة، وإعلان الشهادة الثالثة، والتهيؤ المعرفي والعقائدي لظهور إمام زماننا صلوات الله عليه.