جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 466
تاريخ البث : يوم الإثنين 7 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 26 / 6 / 2023م
استكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة 466 من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة إمام زماني كهفي وحرزي وموئلي ومعتمدي) حديثه عن الجريمة الثانية والعشرين من جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، مبينًا أن هذه الجريمة مزدوجة تتألف من شقين: الأول هو التحريف الديني والتزييف العقائدي، والثاني هو محاربة هندسة العترة لحفظ الدين. وأكد الشيخ أنه يواصل الحديث في الشق الأول، وتحديدًا ضمن العنوان الفرعي الرابع المتصل بـ مشاريع التدمير والتحريف والتزييف لمنظومة حديث العترة على المستوى المرجعي، حيث ركّز في هذه الحلقة على استكمال التطبيقات العملية لهذا العنوان، مستذكرًا ما طرحه في الحلقة السابقة من تطبيقات تمثلت في إحراق وإتلاف كتب الحديث، واعتماد منهجية السند الشيطانية، ولعبة الكتب الأربعة، والتعاطي مع بحار الأنوار وعوالم العلوم، وما فعله البهبودي وغيره، ليرتحل إلى التطبيقات المتبقية من التطبيق السادس وحتى العاشر، ثم ينتقل إلى العنوان الفرعي الخامس.
دارت الفكرة العامة لهذه المحاضرة حول كشف الآليات والمشاريع المرجعية والحوزوية التي أدت إلى هدم منظومة حديث العترة الطاهرة، وتغليب أحاديث المخالفين ومناهجهم على المعارف الأصيلة الصادرة عن آل محمد. وسلّط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على خطورة خلط الأحكام والعقائد الشيعية بالمصادر والرجال والتبويبات الناصبية، مستعرضًا نماذج لموسوعات ومعاجم ومشاريع مرجعية قادها علماء ومراجع ينتمون إلى المذهب الطوسي منذ تأسيسه سنة 448 هجرية وإلى يومنا هذا. وبيّن الشيخ كيف أدت المناهج الرجالية والاجتهادية المبتدعة إلى إلغاء وتضعيف قطاعات واسعة من التراث الروائي الشريف، وإفقاد الأمة للبصيرة العقائدية، مما أفرز ثقافة مهدوية ومعرفية مدخولة ومحرفة تبتعد تمامًا عن مقاصد الثقلين.
استهل الشيخ التطبيقات العملية بالتطبيق السادس المتعلق بالموسوعات الحديثية الشيعية التي خلطت حديث أهل البيت بحديث نواصب سقيفة بني ساعدة وبُوّبت وفق منهج مباين لمنهج العترة، متخذًا من كتاب ميزان الحكمة لمؤلفه محمد الريشهري نموذجًا جليًا. وأوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الكتاب الذي يقع في اثني عشر مجلدًا اعتمد في ثلث مصادره أو أكثر على كتب المخالفين، حيث سُوّيت الأحاديث وجُمعت في صعيد واحد وموضوعات مشتركة يستقي منها الخطباء والإعلاميون والكتّاب جهلًا وبلا تحقيق. واستشهد الشيخ برواية الإمام الصادق صلوات الله عليه من الكافي الشريف: «لا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَتَفَقَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، يَا بَشِيرُ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِفِقْهِهِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِمْ أَدْخَلُوهُ فِي بَابِ ضَلالَتِهِمْ وَهُوَ لا يَعْلَمُ». مؤكدًا أن الحكمة القرآنية في تأويل العترة هي معرفة الإمام استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وأن أخذ المعارف من غير طريقهم هو إنكار لـ بيعة الغدير القائمة على القول النبوي الشريف: «هَذَا عَلِيٌّ يُفَهِّمُكُمْ بَعْدِي» والضابطة الصادرة عن إمام زماننا صلوات الله عليه: «طَلَبُ المَعَارِفِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِنَا أَهْلَ البَيْتِ مُسَاوِقٌ لِإِنْكَارِنَا». كما ضرب مثالًا آخر بـ موسوعة حديث النبي عقيدة وشريعة وخلقًا الصادرة عن العتبة الرضوية والتي تمثل مصادر المخالفين نصف مصادرها.
عرج الشيخ على العلة العقائدية العميقة التي تعاني منها الموسوعات الحديثية الشيعية قاطبة، موضحًا أنها تبنى على منطق عقائدي طوسي يضع معرفة الإمام في التبويب على حد سواء مع المسائل الأخلاقية أو الفرعية الثانوية، وهو ما يعد في منهج العترة والقرآن انحرافًا صريحًا. وبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هندسة العترة لحفظ الدين تنطلق من الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، حيث جعل الله جل وعلا أمير المؤمنين صلوات الله عليه أصل الدين والأساس الذي تقاس عليه الشريعة بأسرها، ولا قيمة لأي معارف تبتعد عن هذا الأصل. وأكد الشيخ أن مؤسسات التحقيق والإعلام الحوزوية كان ينبغي لها التزام هذا الاتساق الفكري والهندسة العقائدية الهادفة لربط الكليات بالمركز المعرفي المعصوم، بدلاً من الانسياق وراء مناهج التجميع الخاوية.
تناول الشيخ التطبيق السابع المتمثل فيما أسماه بالفيروس الخوئي الأكثر قذارة، والمتمثل بالتطبيق العملي والميداني للبرنامج الرجالي الخوئي على يد آصف محسني في كتابه مشرعة بحار الأنوار، مؤكدًا أن التسمية الحقيقية لهذا الكتاب هي مقبرة بحار الأنوار. وبيّن الشيخ كيف عمد المؤلف إلى إسقاط تراث العلامة المجلسي وتدميره؛ محققًا نموذجًا تطبيقيًا على باب ولادة إمام زماننا صلوات الله عليه في الجزء الحادي والخمسين من البحار، والذي يضم أكثر من أربعين رواية، حيث أنكر آصف محسني صحة جميع هذه الروايات استنادًا إلى قواعد علم الرجال المبتدعة. وكان من أسباب تضعيفه لهذه الأحاديث عدم وجود توثيق رجالي لـ السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد صلوات الله عليهما، وهو ما استنكره الشيخ بشدة، واصفًا هذا المنطق بالمسخرة العلمية التي تجعل طهارة ومكانة أهل البيت المعصومين وأقربائهم المقربين رهينة لتقييمات رجال الجرح والتعديل.
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التداعيات العملية لمنهج آصف محسني والخوئي، مشيرًا إلى ما قام به عمار الفهداوي في كتابه المعتبر من بحار الأنوار، حيث اختزل موسوعة بحار الأنوار الضخمة التي تقع في مائة وعشرة مجلدات إلى ثلاثة مجلدات فقط، معتبرًا ذلك معجزة خوئية معكوسة في القرن الحادي والعشرين تهدف إلى محو حديث العترة. وأشار الشيخ أيضًا إلى كتاب معجم الأحاديث المعتبرة لـ آصف محسني الواقع في ثمانية مجلدات، والذي لخص فيه أحاديث الكتب الأربعة والبحار وغيرها في 11,523 حديثًا فقط من أصل عشرات الآلاف من الأحاديث، مستخدمًا معجم رجال الحديث الذي تراجع عنه الخوئي نفسه في أواخر حياته دون أن يتاح له تعديله. ونبه الشيخ إلى أن هذه التطبيقات الرجالية تعبث بالتراث الهائل للتشيع وتؤدي عمليًا إلى تجريد الأمة من مصدر هدايتها المعصوم.
انتقلت المحاضرة إلى التطبيق الثامن المتصل بالمشاريع المرجعية المباشرة للحد من انتشار الحديث الشريف، متمثلاً في موسوعة منتخب الأثر من بحار الأنوار الصادرة عن مرجعية ناصر مكارم شيرازي في اثني عشر مجلدًا، والتي لم تثبت سوى 10,052 حديثًا. وبيّن الشيخ أن هذا العمل يمثل مخططًا منظمًا لقطع وحذف الغالبية العظمى من أحاديث بحار الأنوار، وإحلال هذه المنتخبات المبتورة محل الأصول الحديثية الكبرى بمساعدة الأدوات السياسية والإعلامية الحوزوية. واستحضر الشيخ في هذا السياق رواية التقليد الصادرة عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في الكافي الشريف، والتي تحذر من المراجع الذين يتعلمون قدرًا يسيرًا من علوم أهل البيت الصحيحة ثم يضيفون إليها أضعافها من الأكاذيب والآراء الفاسدة، فيَضلون ويُضلون عامة المستسلمين لهم.
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التطبيق التاسع المتعلق بالثقافة المهدوية التي بثها علماء المذهب الطوسي منذ ستينات وسبعينات القرن العشرين وإلى يومنا هذا. وأكد الشيخ أن غالبية ما كُتب ونُشر في الشأن المهدوي وما يرتبط بالغيبة والظهور وشؤون الحجة بن الحسن عليه السلام قد شُحن بروايات المخالفين التي تعرضت لتحريف ونصب مقصود في أصل مصادرهم. وأوضح أن اعتماد هذه الروايات الناصبية كمعطيات أساسية أدى إلى تشكيل ثقافة مهدوية مدخولة ومسمومة ومخترقة تتناقض تمامًا مع المعرفة الحقيقية التي يريدها إمام زماننا صلوات الله عليه لشيعته، وتخالف القاعدة العقائدية الحاكمة بضرورة أخذ المعارف حصرًا من معدن العترة الشريفة.
فصّل الشيخ التطبيق العاشر المتمثل في المبادرات والمشاريع المرجعية التي هدفت صراحة أو ضمناً إلى تقليص أحاديث العترة الشريفة أو دمجها بالمصادر المخالفة، وفي مقدمتها مشروع المرجع حسين البروجردي أثناء إعداده لموسوعة جامع أحاديث الشيعة، حيث سعى لإدراج أحاديث أهل السنة من كتاب التاج الجامع للأصول في ذيل الأبواب الفقهية، وتراجع عن ذلك ليس احترامًا لمنهج المعصوم بل خوفًا من الفتنة وانتقاد الجمهور كما وثق تلميذه محمد واعظ زاده خراساني في كتاب حياة الإمام البروجردي وآثاره العلمية، يضاف إلى ذلك تحريم البروجردي لطباعة أجزاء المطاعن من البحار. كما عرض الشيخ مشروع المرجع محمد باقر الصدر الذي أوكل تنفيذه لتلميذه كاظم الحائري والموثق في كتاب السيرة والمسيرة لـ أحمد عبد الله أبي زيد العاملي، والذي قضى بحذف أحاديث الأحكام وأحاديث المطاعن والأمور العلمية كـ الطب والفلَك من بحار الأنوار واختزاله في كتاب جديد، وهي المشروعات التي تجسد وجود عقدة وموقف سلبي متراكم لدى المراجع تجاه أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم. وفي المقابل، أشار الشيخ إلى مشروع كلامكم نور وموسوعته الصادرة عن مؤسسة القمر للثقافة والإعلام كأنموذج يسعى لتلافي هذه التحريفات والاعتماد الخالص على حديث العترة الطاهرة رغم المعوقات المادية.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى العنوان الفرعي الخامس من الشق الأول للجريمة الطوسية، والمتمثل في قائمة طويلة من كتب حديث أهل البيت التي تُنكر أو يُشكك فيها أو تُضعّف أو تُوضع جانباً من قبل مراجع الحوزة الطوسية مثل البروجردي والخوئي والسيستاني. وأرشد الشيخ المتابعين إلى مراجعة كتابين بارزين كاشفين لهذه القائمة: الأول كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق لـ مسلم الداوري (رئيس لجنة تصحيح معجم رجال الحديث للخوئي)، والثاني كتاب قبسات من علم الرجال لـ محمد رضا السيستاني. وأكد الشيخ أن المراجع ينبذون هذه المصادر الروائية العظيمة استنادًا إلى قواعد رجال علم النواصب المبتدعة وبسبب جهلهم العميق بـ فقه حديث أهل البيت وقواعد تفهيمهم، مما أسفر عن تدمير مقومات الثقافة الشيعية الأصيلة.
اختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بتقديم الخلاصة والرسالة العملية الموجهة إلى شيعة الحجة بن الحسن عليه السلام والباحثين عن الحقيقة، داعيًا إياهم إلى مراجعة الحلقات السابقة وتحديدًا مبحث التحريف الانتقائي لإدراك المساحة الهائلة للتحريف والتزييف والتجهيل التي تعرضت لها المكتبة الشيعية الحوزوية. وجدد الشيخ تأكيده الحاسم على الرسالة العملية الداعية إلى وجوب الابتعاد عن أصحاب العمائم والمراجع الطوسيين وعدم أخذ معالم الدين والعقيدة منهم، لكونهم غارقين في المناهج المخالفة ومبتعدين عن منطق الثقلين. وشدد الشيخ في الختام على أن الدين الحق والصراط المستقيم لا ينالان إلا بالرجوع المباشر والواعي إلى القرآن الكريم المفسَر بتفسير أهل البيت، وحديث العترة الطاهرة المفهوم بقواعدهم، حفظًا للعقيدة من الضلال وضمانًا للبقاء على عهد بيعة الغدير.