جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 472
تاريخ البث : يوم الأحد 13 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 2 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة الثانية والسبعون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة والجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، تتمة واستكمالاً للحديث عن جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة في قسمها الثامن، حيث يبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي صلتها المباشرة بالحلقة الماضية التي استوفت الشق الأول من هذه الجريمة المزدوجة، وهو التحريف الديني والتزييف العقائدي عبر عشرة عناوين تطبيقية تفصيلية تناولت التحريف الانتقائي، والتحريف العلمي التأسيسي المتمثل بـ عملية الاجتهاد وبطلانها القاطع بالقرآن، ونماذج التحريف الصارخ كـ حديث الثقلين، وتدمير المنظومة التفسيرية المتمثلة بالتفسير الطوسي الخرائي، ومشاريع التدمير والتزييف لمنظومة الحديث المرجعية، والتشكيك في قائمة طويلة من كتب الحديث والأدعية والزيارات، واستعراض صور متحركة من الواقع المعاصر، والإعراض عن منظومة الأدعية والزيارات، والتلويث في الأخلاق والسلوك والعرفان الناصبي المأخوذ عن الغزالي وابن عربي، وثقافة التقريب بين المذاهب وتحريف التاريخ، وصولاً إلى تطويع الدين في خدمة السلاطين والسياسة.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الشق الثاني من شقي هذه الجريمة الطوسية المزدوجة، وهو محاربة برنامج العترة الطاهرة المتمثل في هندسة العترة لحفظ الدين، مؤكداً أن مراجع حوزة النجف وكربلاء منذ سنة 448 هـ نجحوا في حربهم على أولياء أهل البيت صلوات الله عليهم وحديثهم الشريف، وفي ملء عقول الشيعة بالتراهات والسفاهات والقذورات العقائدية الناصبية، تحت شعارات زنيفة كحماية المذهب وإحياء أمر أهل البيت. ولأجل إدراك هذا التدمير والتحريف البغيض، يقسّم الشيخ حديثه إلى عدة مقاطع استعراضية تتناول الأبعاد الكلية لـ هندسة العترة لحفظ الدين وتبيان حقائقه في زمن الغيبة الثانية (الغيبة الكبرى) الممتدة من سنة 329 هـ وإلى يومنا هذا، والتي تهيمن عليها الحوادث العظيمة والأحداث الهائلة.
يتناول الشيخ في المقطع الأول الواقع الذي سيكون عليه الشيعة في زمن الغيبة الكبرى كما أخبرت عنه العترة الطاهرة، مستشهداً بما جاء في كتاب غيبة النعماني عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديثه لـ حذيفة بن اليمان: «إنَّ عِلْمَنَا أَهْلَ بَيْتٍ سَيُنْكَرُ وَيُبْطَلُ، وَتُقْتَلُ رُوَاتُهُ، وَيُسَاءُ إِلَى مَنْ يَتْلُوهُ بَغْياً وَحَسَداً»، حيث يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذا النص ينطبق بدرجة أشد وأوضح على زمان الغيبة الثانية، وأن إبطال علمهم وإساءة وقتل رواتهم حسياً ومعنوياً بتسقيط السمعة وتخريب المعيشة يتجلى بوضوح فيما صَنَعه نواصب السقيفة الطوسية الذين أخرجوا أكثر من تسعين بالمائة من حديث أهل البيت صلوات الله عليهم من دائرة الدين، واستبدلوه بالفكر الناصبي، مما جعل أضرارهم على الشيعة أشد بترليونات المرات مما فعله نواصب سقيفة بني ساعدة، تصديقاً لقول الإمام الصادق صلوات الله عليه في أنهم أضر على الشيعة من جيش يزيد على الحسين بن علي صلوات الله عليهما.
يواصل الشيخ استعراض النصوص التي تصف غربة الدين وانحراف الواقع المرجعي، مستدلاً بما رواه العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «كَأَنَّنِي بِدِينِكُمْ هَذَا لَا يَزَالُ مُوَلِّياً يَفْحَصُ بِدَمِهِ، ثُمَّ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ»، ليبيّن أن الدين جريح ملطخ بدمائه يرفس بيديه ورجليه من شدة جراحه وآلامه بعيداً عن الساحة، بسبب ترؤس مراجع الضلال، ولا يعيده إلى نصابه إلا إمام زماننا صلوات الله عليه. كما يستند إلى ما جاء في غيبة النعماني عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «إِنَّ حَدِيثَكُمْ هَذَا لَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُ الرِّجَالِ»، مؤكداً أن الاشمئزاز صادِرٌ من القلوب المنكوسة التي سُلِبَ منها التوفيق ومُلِئَت بهراء المؤسسة المرجعية، ووقوع الفتنة التي يسقط فيها كل بطانة ووليجة (أي مراجع الدين والزعماء المنافقون)، حتى يسقط فيها أصحاب الذكاء المدرسي الدنيوي الفاقدون للذكاء الديني والبصيرة العقائدية.
يستطرد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في تبيان حقيقة الذكاء الدنيوي الخالي من البصيرة بذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لـ أبي ذر الغفاري في بحار الأنوار: «يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تُصِيبُوا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ حُمَقَاءَ فِي دِينِهِمْ عُقَلَاءَ فِي دُنْيَاهُمْ»، ثم يعزز ذلك بما رواه الإمام الباقر صلوات الله عليه لأبي حمزة الثمالي في غيبة النعماني: «يَا أَبَا حَمْزَةَ لَا يَقُومُ الْقَائِمُ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ وَزَلَازِلَ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ يُصِيبُ النَّاسَ وَطَاعُونٍ قَبْلَ ذَلِك...»، موضّحاً أن الطاعون يشمل انتشار الأوبئة والأمراض العامة والكآبة العالمية الحاصلة في الواقع، ليصل المشهد الشيعي والإنساني إلى إياس وقنوط شامل، فيخرج الحجة بن الحسن عليه السلام ليدعو إلى أمر جديد، ويعود الإسلام غريباً كما بدأ وفق الحديث الشريف: «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ دَعَا النَّاسَ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ كَمَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
ينتقل الشيخ إلى المقطع الثاني من هندسة العترة لحفظ الدين، والموسوم بـ أن أمرهم أبين من الشمس، ليؤكد أنه رغم المرارة المادية والمعنوية، وطوفان الفتن الهائج، فإن حق العترة الشريفة أظهر وأجلى من الشمس المنتصفة في السماء لمن يتلمسه بصدق وحرية. ويستدل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بما رواه الثقة الكليني في الكافي عن المفضل بن عمر قال: سمعت الإمام الصادق صلوات الله عليه يقسم مستدلاً بالظاهرة الكونية: «وَاللَّهِ لَأَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ»، مبيناً أن هذا الأمر الجلي يُتلمَّس عند رجالهم الصادقين، ومؤسساتهم، وكتب علمهم المصفى، لمن طهّر عقله من خراء مراجع النجف وكربلاء وصار حراً كالأحرار الذين طلبهم سيد الشهداء صلوات الله عليه في نداء عاشوراء: «كُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ» و**«أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا»**؛ إذ لا ينشأ الحق الإلهي إلا في أرض الحرية والاستقلال الفكري.
يزيد الشيخ مطلب جلاء أمرهم عمقاً بالربط بين التوقيع الشريف الصادر عن إمام زماننا صلوات الله عليه لـ إسحاق بن يعقوب في كمال الدين: «وَأَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ»، وبين قول الإمام الباقر صلوات الله عليه لـ أبي خالد الكابلي في الكافي: «وَاللَّهِ يَا أَبَا خَالِدٍ لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ». وتكتمل هذه المنظومة النورانية بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: «كَلَامُكُمْ نُورٌ وَأَمْرُكُمْ رُشْدٌ»؛ حيث الكُليّة النورانية تكشف عن نفسها بغيرها دون حاجة لظلمات علم الرجال الحوزوي، ومستشهداً بدعاء زيارة آل ياسين: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ رَحْمَتِكَ وَكَلِمَةِ نُورِكَ وَأَنْ تَمْلَأَ قَلْبِي نُورَ الْيَقِينِ وَصَدْرِي نُورَ الْإِيمَانِ...»، ومؤكداً حصرية التمسك بـ بيعة الغدير ووصية أمير المؤمنين صلوات الله عليه لـ كميل بن زياد: «يَا كُمَيْلُ لَا تَأْخُذْ إِلَّا عَنَّا تَكُنْ مِنَّا»؛ إذ لا يوجد إسلام حقيقي إلا في مدرسة علي صلوات الله عليه.
يبسط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي القول في المقطع الثالث من هندسة العترة لحفظ الدين، والمتعلق بـ إعدادهم صلوات الله عليهم لرجالهم المنتجبين الذين يحفظون الدين والحديث في زمن الغيبة، مستدلاً برواية الإمام زين العابدين صلوات الله عليه لـ أبي خالد الكابلي في كمال الدين: «يَا أَبَا خَالِدٍ إِنَّ أَهْلَ زَمَانِ غَيْبَتِهِ الْقَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ وَالْمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالْمَعْرِفَةِ مَا صَارَتْ بِهِ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاهَدَةِ»، ليبيّن أن هذا الإعداد والتوفيق القلبي والعقلي هو لطف مهدوي خاص يُفاض على أوليائهم، وتؤكده خطبة أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة: «ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ، تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ»، حيث يشربون الحكمة المهدوية المصفاة صباحاً ومساءً.
يواصل الشيخ استعراض قواعد هذا الإعداد الإلهي لرجال العترة بذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لـ أبي ذر الغفاري في بحار الأنوار: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وَزَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَبَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ»، مفارقاً بين عملية التفهيم والتزهيد والتبصير الخارجية الحاصلة بفيض المعصوم وبين ادعاءات عرفاء الحوزة المزيفين. كما ينقل قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «يَا أَبَا ذَرٍّ مَا زَهَدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ». ثم يستند إلى كتاب رجال الكشي لبيان الميزان الإلهي الحقيقي لتقييم الرجال بحسب الإمام الصادق صلوات الله عليه: «اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا بِقَدْرِ مَا يُحْسِنُونَ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَنَّا، فَإِنَّا لَا نَعُدُّ الْفَقِيهَ مِنْهُمْ فَقِيهاً حَتَّى يَكُونَ مُحَدَّثاً، فَقِيلَ لَهُ: أَوَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحَدَّثاً؟ قَالَ: يَكُونُ مُفَهَّماً، وَالْمُفَهَّمُ مُحَدَّثٌ».
يُتمّ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا المحور بما رواه الإمام الصادق صلوات الله عليه في غيبة النعماني: «اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا عِنْدَنَا عَلَى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا وَفَهْمِهِمْ مِنَّا»، مشدداً على أن منزلة الرجال عند العترة تعتمد على حُسن الرواية وفصاحة البيان والدقة في فهم التفسير وقرائن الحديث بفيض التفهيم الإلهي، وليس وفق تقييمات وتدرجات المؤسسة الطوسية التي تُحقّر رواة الحديث وتُسقط مكانتهم الشريفة بينما تُمجّد مراجع الضلال البعيدين عن منهج أهل البيت. ويشير الشيخ إلى أن هذه الأحاديث الشريفة يفسر بعضها بعضاً وتشكّل لوحة عقائدية متكاملة ومنتظمة تهدي من يبتغي الحق بتجرّد ونقاء قلب.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالإشارة إلى استيفاء وقت البرنامج والتنويه بمتابعة بقية المحاور والوجوه الشريفة لـ هندسة العترة لحفظ الدين في الحلقة القادمة، ممتلئاً بالرجاء والتوسل بـ إمام زماننا صلوات الله عليه أن تثبت هذه الحقائق والمعارف النورانية في عقول وقلوب وأرواح شيعته المخلصين لتكون أنيساً لهم في الدنيا والقبر. ويوجه الشيخ رسالته العملية وإهداءه الشريف لعموم أخوانه وأخواته وأبنائه وبناته من غير الطوسيين اللعناء وأتباعهم، داعياً الجميع إلى التمسك الواعي بـ دين العترة الطاهرة، والثبات العقائدي، وتطهير العقول والقلوب، مع التماس الدعاء المتبادل بالسلامة وحسن العاقبة تحت ظل رعاية الحجة بن الحسن عليه السلام.