جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 473
تاريخ البث : يوم الإثنين 14 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 3 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه المحاضرة، وهي الحلقة الثالثة بعد الأربعمائة (473) من برنامج الخاتمة ضمن الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، استكمالاً ومواصلةً للحديث عن الشق الثاني من جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، وهو الشق المتعلق بـ محاربة برنامج العترة الطاهرة لحفظ الدين، حيث ينطلق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من حيث انتهى في الحلقة الماضية ليواصل بسط المقاطع التفصيلية لهذا البرنامج المعرفي والديني، بعد أن استعرض في الحلقة السابقة المقاطع الثلاثة الأولى التي شملت بيان واقع الفتنة والغيبة، وإيضاح أن منهج أهل البيت صلوات الله عليهم أَبْيَنُ مِنَ الشَّمْسِ، وكيفية إعدادهم للرجال الحملة لعلمهم وحقائق معرفتهم.
تتمحور الفكرة العامة لهذه المحاضرة حول إبراز المعالم العميقة لـ هندسة العترة لحفظ الدين في مقابل ما يصفه الشيخ بالتحريف والتزييف المرجعي، متناولةً بالشرع والتفصيل كيفية إعداد ساحة العمل العقائدية، واستعراض طبقات القوانين الحاكمة تكويناً وتشريعاً، والحزمة الموازية من القوانين التي جعلها الأئمة صلوات الله عليهم بأيدي شيعتهم لتفعيلها بنياتهم ومواقفهم، وصولاً إلى رسم الخارطة الواضحة المعرفة بـ حديث الثقلين وبيعة الغدير، وتثبيت القرآن الكريم كـ قاعدة المعلومات الأولى والرئيسة التي لا تُفهم ولا تُفسّر إلا بـ المنطق العلوي وبيان أهل البيت صلوات الله عليهم.
يتناول الشيخ في المقطع الرابع إعداد ساحة العمل ضمن برنامج هندسة العترة لحفظ الدين، مستشهداً بما ورد في تفسير الإمام الحسن العسكري عن الإمام الهادي صلوات الله عليه: «لَوْلاَ مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، وَالذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ اللهِ، وَالْمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ اللهِ مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فَخَاخِ النَّوَاصِبِ... لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلاَّ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللهِ... وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ أَزِمَّةَ قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الشِّيعَةِ كَمَا يُمْسِكُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ سُكَّانَهَا، أُولَئِكَ هُمُ الأَفْضَلُونَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، موضّحاً أن ضعفاء الشيعة هم ضعفاء الفكر والعقيدة والمعرفة بفعل تراكم الثقافة المرجعية المنحرفة، ومؤكداً أن علماء الشيعة الحقيقيين بموازين العترة هم المرابطون في الثغور العقائدية لدفع الشبهات، كما أورد الرواية الشريفة من المحاسن للبرقي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ تَكُونُ بَعْدِي يُكَادُ بِهَا الإِيمَانُ وَلِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُوَكَّلاً بِهِ يَذُبُّ عَنْهُ، يَنْطِقُ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ وَيُعْلِنُ الْحَقَّ وَبِنُورِهِ يَرُدُّ كَيْدَ الْكَائِدِينَ».
يُبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي وجوب التثبت في مصادر التلقي ورفض الاعتماد على المظاهر والعمائم، مستدلاً بما جاء في الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ، فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ بَيْتٍ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولاً يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ»، وموضحاً كيفية التعامل مع الأوعية العلمية القذرة أو المخلوطة بشبهات النواصب ككتب الشيخ الطوسي، بالاستناد إلى الحديث المروي في أصل زيد الزراد عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «إِنَّ لَنَا أَوْعِيَةً نَمْلَؤُهَا عِلْماً وَحِكْمَةً وَلَيْسَتْ لَهَا بِأَهْلٍ، فَمَا نَمْلَؤُهَا إِلاَّ لِتُنْقَلَ إِلَى شِيعَتِنَا، فَانْظُرُوا إِلَى مَا فِي الأَوْعِيَةِ فَخُذُوهَا ثُمَّ صَفُّوهَا مِنَ الْكَدُورَةِ تَأْخُذُوا مِنْهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً صَافِيَةً، وَإِيَّاكُمْ وَالأَوْعِيَةَ فَإِنَّهَا وِعَاءُ سُوءٍ فَتَنَكَّبُوهَا»، حيث تكمن المهمة في تصفية جوهر كلام المعصوم واستخلاص نوره الصافي وإلقاء القذورات والزيادات الدخيلة.
ينتقل الشيخ إلى المقطع الخامس للحديث عن حزمة القوانين الحاكمة تكويناً وتشريعاً والتي يتكفل إمام زماننا صلوات الله عليه بتفعيلها ورعايتها ضمن هندسة العترة لحفظ الدين؛ وتبدأ هذه المنظومة بالقانون الأسمى والشمولي المذكور في الزيارة الجامعة الكبيرة: «وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ» المتضمن للولاية الكونية والتكوينية، ويتفرع عنه قانون «وَإِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ»، ثم يأتي دونهما قانون البداء ببعديه التكويني والتشريعي كالنسخ، ويتفرع عنه قانون التوفيق والخذلان الذي يجازي العمل الصالح بالتوفيق والعمل الطالح بالخذلان، وصولاً إلى قانون الابتلاء الذي يعمل كعقوبة معجلة أو توفيق وتثبيت أو حماية وحراسة للعبد من الانحراف والظلم.
يُوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحزمة الثانية من القوانين التي تنظم العلاقة المباشرة بين العبد وإمامه والمسند أمر تفعيلها إلى قرارات الإنسان ونواياه ومواقفه، مستدلاً بما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: «وَفَازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ وَأَمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ وَهُدِيَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ»، وقانون «وَجَعَلَ صَلاَتَنَا عَلَيْكُمْ وَمَا خَصَّنَا بِهِ مِنْ وِلاَيَتِكُمْ طِيباً لِخَلْقِنَا وَطَهَارَةً لأَنْفُسِنَا وَتَزْكِيَةً لَنَا وَكَفَّارَةً لِذُنُوبِنَا»، ويُتوّج هذه القواعد بالدستور الكلي الوجيز المروي في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا صلوات الله عليه: «فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ، وَمَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ»، مضيفاً إليها نص كلام الإمام الصادق صلوات الله عليه في الحجة بن الحسن عليه السلام: «لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ أَيَّامَ حَيَاتِي» لتشكيل خلاصة المعرفة والعقيدة والعمل.
يُبيّن الشيخ أثر استقامة النية في التمسك بـ إمام زماننا صلوات الله عليه والالتزام بقواعد العترة، مستشهداً بنص رواية التقليد من تفسير الإمام الحسن العسكري: «لاَ جَرَمَ أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ مِنْ هَؤُلاَءِ العَوَامِّ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ إِلاَّ صِيَانَةَ دِينِهِ وَتَعْظِيمَ وَلِيِّهِ... لَمْ يَتْرُكْهُ فِي يَدِ هَذَا المُلَبِّسِ الكَافِرِ، وَلَكِنْ يُقَيِّضُ لَهُ مُؤْمِناً يَقِفُ بِهِ عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَبُولِ مِنْهُ، فَيَجْمَعُ لَهُ بِذَلِكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»؛ إذ يُبرهن هذا النص على أن الطاف الإمام وقانون التوفيق والخذلان يتدخلان لإنقاذ العبد الصادق من المضلين وتوفيره للوصول إلى الحق الصريح.
يستعرض الشيخ في المقطع السادس الخارطة الواضحة التي رسمها الأئمة صلوات الله عليهم لحفظ المنهج، والتي تحدد إطارها الخارجي عبر حديث الثقلين، وترتكز في مركزها وإطارها الداخلي على بيعة الغدير وأخذ العهود والمواثيق بأخذ التفسير والتشريع والفهم حصرًا وفق المنطق العلوي، مبيناً بطلان المبررات الشعبية المرجعية المبتدعة مثل مقولة "المو زين اللي تعرفه" أو "حطها بركبة عالم واطلع منها سالم"، ومؤكداً أن مسعى معرفة الحق وتبيّن منازل الرجال مسؤولية شخصية ملقاة على عاتق كل مكلف دون حاجة لتشخيص ما يُسمى بأهل الخبرة، مستنداً إلى القاعدة الإلهية: «اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا عِنْدَنَا بِقَدْرِ مَا يُحْسِنُونَ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَنَّا وَفَهْمِهِمْ مِنَّا».
يصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى المقطع السابع المتعلق بـ البرنامج العملي والتطبيقي، موضّحاً أن أولى خطوات هذا البرنامج هي اعتماد القرآن الكريم كـ قاعدة المعلومات الأولى والرئيسة ومرجعية معنوية وعقائدية شاملة، ولكن بشرط أساسي وإلزامي وهو أن يكون محكوماً بتفسير العترة الطاهرة دون غيرهم؛ إذ استشهد بقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾، وبقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، للتدليل على أن الوصول إلى الحقيقة الأقوم والدين الصافي يتطلب العودة الدائمة للقرآن المفسَّر بروايات المعصومين صلوات الله عليهم.
يُدلل الشيخ من واقع الآيات القرآنية نفسها على أن حق بيان القرآن وجَمْعه وتأويله محصور بـ رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته من الراسخون في العلم؛ مستشهداً بقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وبآيات سورة القيامة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وآية سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، مبيناً أن الجمع والبيان والتلاوة الحقيقية شأن إلهي أُوكل حصرًا لأهل البيت صلوات الله عليهم، وأن دور أصحاب الحديث والناقلين يكمن في تنظيف الآفاق الروائية وتنقيتها لتشرق أنوار القرآن والعترة كاملة.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان أن وقت الحلقة قد انتهى قبل استكمال بقية محاور البرنامج العملي والتطبيقي، متعهداً بمواصلة البحث في الحلقة القادمة، ومقدماً خلاصة رسالته العملية الداعية إلى التبرؤ الكامل من المناهج المرجعية الطوسية والدخيلة، والتمسك المطلق بـ دين العترة الطاهرة والمنطق العلوي الأصيل، ووجوب العودة الواعية إلى القرآن الكريم المصحوب بتفسير المعصومين صلوات الله عليهم، تحصيناً للقلوب وتثبيتاً للبصائر وتعرّفاً صادقاً على إمام زماننا صلوات الله عليه في زمن الفتن والضلال.