جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 474
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 15 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 4 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه الحلقةُ، وهي الحلقة 474 من برنامج الخاتمة، الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، والجزء الثلاثين من محور جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، وهي الحلقة الثالثة المكرّسة لبحث شقها الثاني المتعلق بمحاربة برنامج العترة الطاهرة المتمثل في هندسة العترة لحفظ الدين. وقد بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مطلعها صلتَها المباشرة بالحلقة السابقة، حيث استكمل بها استعراض المقطع السابع والأخير من مقاطع اللوحة الكاملة لمعالم هذا البرنامج الهادفي، والمخصص لشرح البرنامج العملي والتطبيقي بعد أن أتمّ في الحلقات المتقدمة بيان المقاطع الستة الأولى.
تتلخص الفكرةُ العامة لهذه الحلقة في رسم المعالم التفصيلية للدستور العملي والتطبيقي الذي شادته العترة الطاهرة صلوات الله عليها لحفظ معارف الدين وعصمتها من التحريف، مستعرضةً كليات وقواعد الاستنباط والفهم الصحيح للثقلين. ويتضح من خلال هذا العرض المعرفي حجم الانحراف الهائل الذي أحدثته المؤسسة المرجعية الطوسية حينما ألغت هذا البرنامج الإلهي، واستبدلت به علومًا بشرية ومناهج مبتدعة قادت إلى صياغة دين مرجعي هجين يقطع الطريق بين الشيعة وبين إمام زماننا صلوات الله عليه.
تتمثل المرتكزةُ الأولى في هذا البرنامج العملي في اعتبار القرآن قاعدة المعلومات الأولى والرئيسة التي يُرجع إليها لحسم كافة حقائق الدين ومسائله العقائدية والتشريعية؛ إذ يمثل القرآن مركز القيادة، بينما تشكل الأحاديث الجيوشَ المرتبطة به ارتباطًا مباشرًا. وعلى الرغم من كون القرآن تبيانًا لكل شيء وهاديًا للتي هي أقوم، إلا أن الشارع جعل مرجعية فهمه واستنطاقه حصرًا في الراسخين في العلم من آل محمد، كما صرحت سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، مما يوجب الاقتران الدائم بين القرآن والتفسير الوارد عن العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.
تتجسد المرتكزةُ الثانية في الحظر القاطع لـ عدم اعتماد الظنون مطلقا في الشؤون الدينية، برفض بناء المعارف على المنامات، أو المكاشفات الصوفية، أو القناعات الشخصية، أو الأوهام والاستحسانات العرفية التي أضاعت الأمة وقادت إلى ضلال السقيفة الطوسية. وأكد الشيخ أن الدين مبنيٌّ على العلم والحقائق القاطعة مستشهدًا بقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وبآيات سورة النجم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، موضحًا أن التطور البشري وصل إلى ضرورة وجود دساتير ومحكمة عليا حية مفسرة لها، وهو تمامًا ما أسسه حديث الثقلين وبيعة الغدير.
تأتي المرتكزةُ الثالثة بفرض عدم اعتماد الأسانيد مطلقا كميزان أساسي لقبول الخبر الديني، حيث وجّه القرآن الكريم المكلّفين إلى التثبت في المتون والمضامين بدلاً من الانشغال بالرواة والرجال. واستدل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بآية سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، موضحًا أن الآية أَمَرت بالتبين حتى مع ورود الخبر من فاسق حقيقي، مما يدل على أن العبرة بالوصول إلى العلم بالمتن عن طريق عرضه على قاعدة المعلومات وتفاريعها، لا بالبحث عن وثاقة الراوي؛ لأن البحث في الأسانيد وعلم الرجال وعلم الأصول وعلم الكلام ألعابٌ تسهم في استبدال العلم بالظنون التي لا تجني منها الأمة إلا الضلال.
ترتكز الفقرةُ الرابعة على حرمة العمل بالاجتهاد وبطلان عملية الاجتهاد برمتها في الدين؛ كونها قائمة على الظنون وإسقاط الفهم العرفي والتقييمات الحدسية على النصوص. وأبرز الشيخ هذا المطلب من خلال تدبر قصة نبي الله نوح عليه السلام في سورة هود: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، مُبيّنًا أن الله تعالى أبطل استنباط نوح عليه السلام وتطبيقه الحسي للنص ووصفه بأنه عمل غير صالح وجهل، ليؤكد أن الاجتهاد عبث بدين الله، مُستشهدًا أيضًا بالمنام المشهور للعلامة الحلي مع ابنه فخر المحققين حول خطورة الفتاوى المجردة عن الدليل المعصومي.
تتأسس المرتكزةُ الخامسة على الفصاحة ووجوب إعراب الحديث، استنادًا إلى الحديث الشريف الوارد في الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «أَعْرِبُوا حَدِيثَنَا، فَإِنَّا قَوْمٌ فُصَحَاءُ». وأوضح الشيخ أن المراد بالإعراب ليس الإعراب النحوي القائم على الحركات فحسب، بل هو منظومة متكاملة تشمل الإعراب النحوي، والإعراب الإلقائي الذي يُقرب المعنى للمتلقي، والإعراب البياني والبلاغي، والإعراب القرآني الحديثي الذي يقتضي فهم النص الديني من خلال تفسيره بالنصوص المكتنفة به داخل دائرة الثقلين، دون فصل آية أو حديث عن بقية المنظومة المعصومية.
تُشكل المعرفة بـ معاريض الكلام المرتكزةَ السادسة في الفهم الفقهي الأصيل، وفق ما رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرَوِيهِ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهًا حَتَّى يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا». وشرح الشيخ أن المعاريض هي الأسلوب الخاص بآل محمد في التعبير والمصطلحات والرموز والكنايات، مشددًا على بطلان حاكمية الظهور العرفي المطلقة؛ فالظهور العرفي وسيلة جزئية لا تُسلط على كلام المعصومين الذين تنصرف الكلمة الواحدة من كلامهم على سبعين وجهًا ولهم من جميعها المخرج بحسب معاريض قولهم.
تأتي المرتكزةُ السابعة متمثلة في دراية لحن القول، كما جاء في كتاب غيبة النعماني عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «خَبَرٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ تَرَوِيهَا... إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ مِنْ شِيعَتِنَا فَقِيهًا حَتَّى يُلْحَنَ لَهُ فَيَعْرِفَ اللَّحْنَ». وبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن لحن القول يتجاوز المفردات والمصطلحات ليحيط بالروح الكلية والنفَس المعصومي العام للحديث والقرآن، داعيًا إلى الاستغناء عن القواعد المصنوعة عند نحاة البصرة والكوفة وعلماء البلاغة المحدثين، والتسليم لبيان أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة: «أَلَا وَإِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يَسْعَدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَلَا يُمْهِلُهُ النَّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ».
قدم الشيخ تطبيقًا عمليًا لمعاريض الكلام عبر مفهوم المصطلح المتحرك، مستدلاً بمصطلح الصلاة والمساجد في القرآن الكريم والتفسير الروائي؛ إذ تحرك مصطلح الصلاة ليأتي بمعنى موضع العبادة كما في سورة الحج: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، وبمعنى الولاية لأمير المؤمنين كما في سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وبمعنى الفريضة اليومية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وبمعنى الفيض الإلهي والرحمة كما في سورة الأحزاب: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وهو ما ينقض قواعد وحدة السياق والظهور العرفي التجريدي، ويكشف عن مرونة البناء الهندسي المعصومي.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة باستجلاء الرسالة العملية، مؤكدًا أن المؤسسة المرجعية الطوسية ارتكبت جرمًا تاريخيًا عظيمًا بعزلها تسعين بالمئة من أحاديث العترة وإسقاط تفسير القرآن الروائي، مما أدى إلى بناء دين مسخ يحجب الأمة عن إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام. ودعا الشيخ الباحثين عن الحقيقة إلى نبذ التعصب والمشاكل النفسية، وتجاوز المناهج الحوزوية الدخيلة، والعودة الصادقة المباشرة إلى أحضان العترة الطاهرة صلوات الله عليهم والتمسك بمنهج الكتاب والعترة؛ فهو الصراط الوحيد المطابق للحق والفطرة والعقل السليم.