جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 477
تاريخ البث : يوم الجمعة 18 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 7 / 7 / 2023م
تبين هذه الحلقة، وهي الحلقة السابعة والسبعون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة)، أنها تمثل الجزء الثالث من المطالب التي يطرحها الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تحت عنوان لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة. وقد أوضح الشيخ أن الكلام في الحلقتين الماضيتين كان استعراضاً مجملاً للنموذج الأول المتمثل بـ العقيدة الدرزية الباطنية، ليكون الانتقال في هذه الحلقة استكمالاً واستئنافاً للمطلب عبر طرح النموذج الثاني والمصداق الآخر للتزييف العقائدي، والمتمثل بـ حركة جهيمان العتيبي.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، وكيف يعمل الشياطين على تضليل البشرية عبر القرون بأسلوب منظم قائم على طبقات متراكمة من التحريف تطال العقائد، والأحكام، والطقوس، والعبادات، والمناسك، والآداب الدينية. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن إبليس يمارس خديعته بنَفَس طويل وتخطيط استراتيجي بعيد المدى، حيث يغرس البذرة وينتظر ثمارها بعد قرون، متحركاً في الخفاء عبر رجال الدين الذين يشكلون الأداة الأساسية والمباشرة لتمرير التحريف في جميع أديان السماء والأرض.
يركز الشيخ على أن استعراض الملابسات التاريخية والظروف المحيطة بنشوء الحركات والعقائد ليس لمجرد السرد التاريخي المجرد، بل لأن فهم التاريخ يمنح العبرة والدروس الكلية؛ إذ ينفذ إبليس دائماً من خلال سياقات وظروف تبدو مقبولة أو شبه منطقية لدى من يُخدعون بها. ومن هذا المنطلق، فإن تفكيك حركة جهيمان العتيبي يستوجب دراسة البيئة التاريخية والسياسية والدينية التي ولدت فيها، حيث إن حادثة اقتحام المسجد الحرام في الأول من محرم عام 1400 للهجرة لم تكن حدثاً طارئاً بلا جذور، بل جاءت ضمن مسار تاريخي ممتد لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم.
يقدم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تحليلاً لطبيعة العلاقة بين العائلة السعودية الحاكمة والمؤسسة الدينية الوهابية منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة على يد عبدالعزيز آل سعود، مؤكداً وجود انفصام واضح بين الطرفين؛ إذ إن حكام آل سعود في معظمهم لا يمتلكون تديناً فقهياً أو عقائدياً، بل يمارسون التدين السوقي العام ويوظفون الدين توظيفاً سياسياً محضاً للمحافظة على سلطانهم وملكهم. وفي المقابل، فإن كبار العلماء الوهابيين السلفيين، وإن أظهروا الولاء الظاهري للحكام بدافع المنافع والمصالح المادية المشتركة، إلا أنهم يرفضون نهج الحكام في أجوائهم الخاصة ويعترضون عليه.
يشرح الشيخ العوامل الثلاثة التي مكنت عبدالعزيز آل سعود من تأسيس دولته، والمتمثلة في الدعم المالي والمعنوي من حكام الكويت (آل الصباح)، والعلاقة الوثيقة مع الإنجليز، والعامل الفعلي الميداني الذي تجسد في القوة العسكرية الضاربة لـ إخوان من طاع الله. وقد تشكلت هذه القوة من خلال بناء الهِجَر للبدو وتزويدهم بالسلاح والأموال وتنظيم حلقات الدرس الديني الوهابي، مما أنتج تحالفاً عشائرياً سلفياً متشدداً خاض المعارك بوحشية مضاعفة تجمع بين وحشية البدو والتحريف الديني الوهابي لإسقاط الإمارات والممالك المجاورة.
يبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التناقض الصريح سرعان ما ظهر بين عبدالعزيز آل سعود وقيادات إخوان من طاع الله؛ فبعد أن أدى الإخوان دورهم في توحيد البلاد، أراد الحاكم استخدام الوسائل الحديثة كـ السيارة والكاميرا والتلغراف ليدير دولته، وهي الوسائل نفسها التي كفّر الإخوان بسببها حكام مملكة الحجاز. وأمام هذا التناقض، ثار مشايخ الإخوان بزعامة سلطان بن بجاد وفيصل الدويش وضيدان بن حثلين عام 1926م، فاستصدرت السلطة فتاوى بتكفيرهم ووصفهم بـ الخوارج، وتم القضاء عليهم بالسجن والغدر والمواجهة العسكرية بين عامي 1929م و1930م، مع بقاء أفكارهم متوارثة في الأجيال اللاحقة.
يصل الشيخ إلى عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز الذي حاول الاستمرار في برنامج والده التحديثي وتجاوز الانغلاق الوهابي، فقام بـ افتتاح التلفزيون الوطني السعودي عام 1965م، وهو ما عدته المنظومة الوهابية ضربة موجعة لثوابتها. وأدى هذا القرار إلى تمرد متشددين وهابيين يقودهم الأمير خالد بن مساعد بن عبدالعزيز الذي هاجم التلفزيون وقتل في الحادثة، لتتوالى الاضطرابات والاحتجاجات الدينية حتى انتهى الأمر باغتيال الملك فيصل عام 1975م على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز، في حادثة تشير إلى أثر الصراع المكتوم بين السلطة السياسية والرفض الوهابي المتطرف.
يربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه التطورات التاريخية بظهور جهيمان العتيبي، موضحاً أنه ولد ونشأ في هجرة ساجر، وكان والده محمد بن سيف العتيبي رفيقاً مقرباً لـ سلطان بن بجاد قائد ثورة الإخوان؛ مما جعل جهيمان يتشرب الفكر الوهابي المتشدد ومظلومية الإخوان. ورغم مستواه الدراسي الأكاديمي المحدود، استطاع جهيمان بفعل شخصيته القيادية البدوية وكرمه أن يجمع حوله الأتباع، وتتلمذ على أيدي كبار شيوخ الوهابية حتى أسس في بدايات عام 1966م تشكيلاً دينياً باسم الجماعة السلفية المحتسبة للدعوة ببركة وإشراف مباشر من عبدالعزيز بن باز.
يوضح الشيخ أن جهيمان العتيبي كان شديد التأثر بالرموز الوهابية الأكثر تشدداً، وفي مقدمتهم محمد ناصر الدين الألباني الذي اعتمد جهيمان منهجه الحديثي في تصحيح الأسانيد وتكفير المجتمعات، إلى جانب تأثره بـ مقبل بن هادي الوادعي ومحمد الأمين الشنقيطي وبديع الدين الراشدي السندي. وقد تجسد هذا الفكر الوهابي السلفي في البيان الذي تلاه خالد اليامي في المسجد الحرام قبل إعلان البيعة للمهدي المزعوم محمد القحطاني، حيث عكس البيان عمق التشدد القائم على إسقاط شرعية الحكم وتكفير الواقع الاجتماعي والديني.
يتطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى حادثة احتلال المسجد الحرام في الأول من محرم عام 1400 للهجرة، مبيناً أن اختيار التاريخ كان يرمز لانتهاء قرن هجري وبداية قرن جديد. وكشف الشيخ عن المقترح الجريء الذي قدمه ولي العهد آنذاك الأمير فهد وبدعم من الأمير سلطان والأمير نايف والملك سلمان، والقاضي بـ تدمير المسجد الحرام بالكامل ودفن الجميع تحت الأنقاض لطمس الجريمة وآثارها الإعلامية، إلا أن الملك خالد بن عبدالعزيز رفض المقترح خوفاً من العقوبة الإلهية وانطلاقاً من تدينه العرفي البسيط، مما حال دون هدم البيت الحرام.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة ببيان الخلاصة والرسالة العملية؛ ومفادها أن لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي تستند بالدرجة الأولى إلى رجال الدين الذين جعل منهم الشياطين أدوات لتضليل الناس وتحويل الدين إلى مهزلة وجعل المتدينين مسخرة. وتتجلى هذه القاعدة الكلية بوضوح ليس فقط في الفكر الوهابي، بل في الواقع الشيعي المؤسساتي المتمثل بـ المذهب الطوسي ومراجع النجف وكربلاء؛ حيث يمارس رجال الدين الخداع والتجهيل واللصوصية العقائدية، مما يتطلب من المؤمنين التحلي بالوعي الكامل لمواجهة هذا التحريف الإبليسي الممتد عبر التاريخ.