جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 478
تاريخ البث : يوم السبت 19 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 8 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة ببيان الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لصلتها بالحلقة المتقدمة، موضحاً أنها تتمة واستكمال للحديث في أجواء النموذج الثاني من ملف لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، وهو حركة جهيمان العتيبي، ومواصلة استعراض الظروف الموضوعية والملابسات التاريخية والزمانية والمكانية التي أنتجت هذه الحركة، انطلاقاً من الأحداث المتسلسلة التي انتهت إليها الحلقة الماضية عند منتصف ستينيات القرن العشرين.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول كشف لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي التي تحول الدين إلى مهزلة وتجعل من المتدينين به مسخرة، وذلك من خلال تسليط الضوء على كيفية نشوء حركة عقائدية داخل المنظومة الوهابية، واستغلال الشبهات والمنامات والرؤى وتطبيق أحاديث أشراط الساعة والفتن بتوجيه إبليسي، لإقناع مجموعة من الأفراد بظهور المهدي المزعوم واحتلال المسجد الحرام في مكة المكرمة.
يستعرض الشيخ التطورات التاريخية المفصلية التي بدأت عام 1965 ميلادي، حين أدخل الملك فيصل بن عبد العزيز التلفزيون إلى السعودية وتأسست المؤسسة التلفزيونية الوطنية السعودية، مما نزل كالكارثة على المنظومة الوهابية المتشددة، وأدى إلى وقوع صدامات؛ منها مقتل الأمير خالد بن مساعد بن عبد العزيز عند محاولته تفجير بناية التلفزيون عام 1965، ثم اغتيال الملك فيصل سنة 1975 ميلادي على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد، وما تبع ذلك من هجوم طلاب العلوم الدينية الوهابيين على أسواق المدينة المنورة القريبة من المسجد النبوي وتكسيرها اعتراضاً على التغيرات الاجتماعية.
يبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف أدت تلك الأحداث إلى اتساع النشاط التبليغي الوهابي وتأسيس جهيمان العتيبي مع مجموعة من رفاقه لـ الجماعة السلفية للدعوة عام 1966 ميلادي، ولجوئهم إلى الشيخ عبد العزيز بن باز (نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حِينَها) لطلب الإشراف الشرعي، والذي اقترح عليهم إضافة كلمة المحتسبة لتصبح الجماعة السلفية المحتسبة للدعوة، وتعيين الشيخ أبي بكر الجزائري ممثلاً عنه للإشراف على مقرهم المسمى بيت الدعوة أو بيت الإخوان في منطقة الحرة الشرقية بالمدينة المنورة، والذي صار مركزاً يتقاطر عليه مشايخ الوهابية والوافدون من السعودية والدول المجاورة كـ الكويت واليمن وعُمان والأردن.
يتناول الشيخ الخلفية الشخصية والفكرية لـ جهيمان العتيبي المنحدر من بيئة بدوية في منطقة ساجر (إحدى هجر إخوان من أطاع الله)؛ إذ كان والده محمد بن سيف العتيبي من رجال القائد البدوي سلطان بن بجاد، وكان جهيمان يمتلك ذكاءً وحافظة رغم مستواه الدراسي المحدود وقِلّة معرفته بقواعد النحو والصرف، واعتمد في تبليغه على اللهجة البدوية في القرى والبوادي، ثم أدى تأثره بالشيخ ناصر الدين الألباني إلى استقالته من عمله بسياقة الشاحنات في الحرس الوطني وإفتائه بتحريم العمل الحكومي وأخذ الرواتب من الدولة، والتشدد في جزئيات شكلية كـ وجوب الصلاة بالأحذية وتكفير من لا يلتزم بها.
يوضح الشيخ كيف دفع التخفي والتشدد بـ جهيمان العتيبي للتركيز على أحاديث أشراط الساعة والفتن وأخبار آخر الزمان وفق الفكر السني، والبحث عن شخصية تجسد المهدي لمواجهة ما يراه ظلماً وفساداً، فاختار الشاب المتعلم محمد بن عبد الله القحطاني (تلميذ ابن باز بالجامعة الإسلامية) وزوجه أخته لتقوية الصلة به، وعمل على إقناعه بأنه المهدي المنتظر عبر تطبيق الروايات واستخدام منهج الألباني في تصحيح الأحاديث، وتلفيق نسب علوي له بـادعاء أسرته الانتماء إلى الأشراف الحسينيين القادمين من مصر إلى جازان، للتمويه على أصله القحطاني وتطبيق حديث اسم المهدي واسم أبيه وصفات أجلى الجبين وأقنى الأنف.
يشرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي دور الرؤى والمنامات المزيفة التي أطبقت كالفتنة على محمد بن عبد الله القحطاني وأقنعته بادعائه، وتوثيق الجماعة لأكثر من 270 رؤيا عبر لجنة مخصصة تضم ابن ملعاط الغامدي ويوسف أكبر آل رضا وعبد الله الكبير، إضافة إلى الحوادث الغريبة كشهادة زوجته وأبيها وإمام المسجد، ومواجهته لـامرأة عجوز عند بئر في منطقة ساجر ادعت رؤيته يومياً في المنام، والتي اعتبرها الشيخ تمثيلاً وتضليلاً إبليسياً مباشراً أوقع العشرات في الوهم، رغم رفض فيصل اليامي الملقب بـ ابن تيمية الصغير لهذه الادعاءات واستخفافه بها قبل مسايرته لهم واقتياده للإعدام.
يسلط الشيخ الضوء على الجانب التنظيمي والإعلامي للجماعة، حيث كان جهيمان العتيبي يملي أفكاره العقائدية والسياسية على محمد بن عبد الله القحطاني والشيخ الوهابي اليمني أحمد بن حسن المعلم لتدوينها في نصوص فصيحة عُرفت بـ رسائل الدعوة أو رسائل جهيمان، وفي مقدمتها رسالة رفع الالتباس عن ملة إبراهيم ورسالة البيعة، وتولى جهيمان نقلها وطباعتها في دولة الكويت عبر مطبعة جريدة الطليعة الكويتية اليسارية التي تعاونت معه لنشر أدبياته ضد السلطة السعودية، وتوزيعها في الجزيرة العربية والخليج واليمن لإقامة الحجة بزعمه.
يبين الشيخ استغلال إبليس لما يُعرف بـ العقيدة التدبيرية لدى الجماعة مع اقتراب نهاية القرن الرابع عشر الهجري وحلول عام 1400 هجري، واقتناعهم بوجوب تدبير مقدمات الظهور وإعلان بيعة المهدي المزعوم بين الركن والمقام في المسجد الحرام، وانتظار حادثة الخسف بالجيش القادم من الشمال، مما دفعهم للتخطيط قبل عام كامل؛ فباعوا ممتلكاتهم وشتروا أسلحة خفيفة وتموراً ومواد جافة، وهربوها داخل حوض سيارة تنكر مخصصة لنقل المياه، ثم خزنوا الأسلحة والأطعمة في قبو المسجد الحرام قبل الحادثة بستة أشهر بمساعدة مدرسين وهابيين بالداخل.
ينقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفاصيل ساعة الصفر فجر يوم الثلاثاء الأول من شهر محرم عام 1400 هجري (الموافق 20 نوفمبر 1979 ميلادي)، حيث أدخل المسلحون توابيت مليئة بالأسلحة بدعوى الصلاة على الجنائز، وفور إتمام إمام الحرم محمد بن عبد الله السبيل لصلاة الفجر، قفز جهيمان وأتباعه وسيطروا على الميكروفون وأغلقوا الأبواب، وقرأ خالد اليامي بيان الظهور والبيعة، بينما تمكن الإمام السبيل من الخروج متخفياً بين الناس، وأخفقت القوات المحلية والجيش والاستعانة الأردنية في اقتحام الحرم حتى تم استدعاء الكوماندوز الفرنسي وشركات فرسان تركية أحدثت ثقوباً في سقف القبو لضخ القنابل الغازية.
يسرد الشيخ نهاية الأوهام بمقتل محمد بن عبد الله القحطاني في اليوم الثالث أو الرابع من المواجهات دون حدوث الخسف الموعود، وقيام جهيمان العتيبي بإخفاء جثته تحت أفرشة الصلاة في المسعى بين الصفا والمروه ومسح الدماء، وإيهام المسلحين بأنه محاصر فقط وسيعود استناداً إلى المنامات، حتى تم إلقاء القبض على جهيمان وأتباعه بعد 15 يوماً وإعدامهم موزعين على المدن السعودية، مستحضراً موقف الملك خالد بن عبد العزيز الرافض لمقترح الأمير فهد بإعدام نساء وأطفال المسلحين وقوله حسبي الله عليك يا فهد.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالتأكيد على العبرة والرسالة العملية القاضية بأن الاعتماد على الشبهات والرؤى والاجتهادات البدعية البعيدة عن التمسك الحقيقي بأهل البيت صلوات الله عليهم، يوقع المدعين والمتدينين في شباك لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، مستشهداً بالحديث الشريف مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقَدْ كَفَرَ، ومبيناً كيف آل المطاف بتلك الجماعة إلى الضلال وتحويل الدين إلى مسخرة ومهزلة أمام العالم.