جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 480
تاريخ البث : يوم الإثنين 21 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 10 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه المحاضرة الحلقة الثمانين بعد الأربع مئة من برنامج الخاتمة، وهي الجزء السادس من المحور المعنون بـ لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، المندرج ضمن الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة إمام زماني كهفي وحرزي وموئلي ومعتمدي. وقد بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي صلتها بالمطالب المتقدمة، موضحًا أنها استكمال للنماذج والتطبيقات التي عرضها سابقًا على هذا العنوان الكبير؛ حيث مرّ الكلام في الحلقات السابقة على النموذج الأول المتمثل في العقيدة الدرزية، ثم النموذج الثاني المتمثل في حركة جهيمان العتيبي، لينتقل الشيخ في هذه الحلقة إلى النموذج الثالث والأخير وهو سقيفة بني ساعدة بوصفها النموذج المثالي الشامل في التحريف والتزييف العقائدي والديني.
ترتكز الفكرة العامة لهذه المحاضرة على التأسيس لمنظومة عقائدية قرآنية دقيقة تبيّن المعالم والأطر العامة لـ علاقة المسلم برسول الله صلى الله عليه وآله، والتي لخّصها الشيخ بحسب القرآن الكريم في أربعة أركان كلية هي: العقيدة، والمودة، والطاعة، والأدب. وقد أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن استعراض هذه الخطوط القرآنية العريضة يهدف إلى إيجاد الميزان المباشر والمستقيم الذي يُعرض عليه ما صدر عن الصحابة والتابعين وزوجات النبي ومحدثي المذاهب وسائر القراءات التاريخية، ليتبيّن التزييف والتحريف من خلال القرآن الكريم، بعيدًا عن الزخارف البشرية والاجتهادات التي خَالفت حديث الثقلين وبيعة الغدير.
يبدأ الشيخ تأصيل الركن الأول المتعلق بـ المحبة والعقيدة بالوقوف عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًَّا لِّلَّهِ﴾؛ حيث بيّن أن التواصل المباشر بين المخلوق والبارئ سبحانه غير ممكن لولا وجود الحجاب الأعظم والمتمثل في الحقيقة المحمدية العظمى، إذ إن الله تعالى المنعم الخالق فتح بابه الأعظم للعباد عبر رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن هنا فإن تحقيق حب الله سبحانه وتعالى والتعبير عنه سلوكًا وعقيدة لا يتحقق إلا عبر حب رسول الله صلى الله عليه وآله والالتزام بأمره، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله علّمنا أن محبته إنما تتجلى بصورتها الكاملة في تقديم أجر رسالته المتمثل في مودة العترة الطاهرة.
ينتقل الشيخ إلى استعراض ما ورد في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ليؤكد القاعدة الكلية في وجوب تقديم حب الله ورسوله وشؤونه على سائر المشاغل والشواغل الدنيوية. وأشار الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن الشأن الأعظم لـ رسول الله صلى الله عليه وآله في أعناق الأمة هو أداء أجر الرسالة، موضحًا أن التخلي عن هذا الحق والتعلق بالعناوين الدنيوية يُدخل الإنسان في دائرة التفسيق الإلهي، كما ظهرت مصاديق ذلك في الحوادث التاريخية كفرار الجمع يوم حنين وتفضيل العشيرة والمال على الثبات مع النبي.
يستدل الشيخ بقوله تعالى من سورة الشورى: ﴿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ليعلن عن قاعدة عقائدية مهمة؛ ومفادها أن المودة والمحبة في جوهرها أمر اضطراري يقع في القلب ولا يُجلب بالطلب المباشر، غير أن مقدماتها كسبية ومقدورة للإنسان عبر تحصيل المعرفة والتسليم القلبي. فكلما ازداد المرء معرفة بـ العترة الطاهرة وقربًا منهم، انبعثت المودة الاضطرارية في وجدانه، وهو المصداق الحقيقي لقوله تعالى ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ ولقول إمام زماننا صلوات الله عليه: "فَلْيَعْمَلْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ مَحَبَّتِنَا".
يُسلط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على قوله تعالى في سورة مريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾، موضحًا أن جعل الود والمودة في قلوب المؤمنين هو توفيق وتثبيت إلهي يفيضه الرحمن. واستشهد الشيخ بأدلة ونقولات متظافرة من مصادر التفسير والحديث، منها تفسير عطية العوفي، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، والدر المنثور للسيوطي، والتي أجمعت على أن هذه الآية المباركة نزلت مخصوصة في أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، لتؤكد أن حب أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو علامة الإيمان والتوجه الإلهي الصادق.
يتناول الشيخ خاتمة سورة المجادلة: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ليرسم المفاصلة العقائدية الحاسمة؛ حيث إن حزب الله الحقيقي هم الذين يُقيمون مودتهم وبراءتهم على منطق القرآن الكريم وموالاة العترة الطاهرة وقطع المودة عمن حادّ الله ورسوله، بعيدًا عن التكتلات الحزبية والنظريات السياسية والمشاريع البشرية المصنوعة التي تنضوي تحت منهج حزب الشيطان.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى بيان الركن المتعلق بـ الأدب والطاعة من خلال قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ متبوعة بـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾. وقسّم الشيخ الصلاة على النبي إلى ثلاثة أشكال: الصلاة الكاملة وهي المقترنة بـ آل محمد (صلى الله عليه وآله) كما أمر بها رسول الله، والصلاة البتراء التي تُسقط الآل، والصلاة البدعية التي تُدخل غيرهم كـ (صلى الله عليه وآله وصحبه). وبيّن الشيخ أن تعمد ترك الصلاة الكاملة واستبدالها بالبتراء أو البدعية يُعد مصداقًا صريحًا لـ إيذاء الله ورسوله الموجب لللعن والطرود من الرحمة الإلهية.
يستعرض الشيخ قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، موضحًا أن كتمان ما أنزله الله في شأن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وإمامة العترة الطاهرة يضع كتمة الحقائق تحت اللعنة الإلهية واللعنة الصادرة عن محمد وآل محمد صلوات الله عليهم. ثم عطف الشيخ على آيات سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ليبيّن أن سلب الأدب الاجتماعي والعقائدي والتقدم على كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو رفع الصوت في حضرته يحبط الأعمال تمامًا، كما تجسد ذلك صراحة في حوادث تاريخية كـ رزية يوم الخميس.
يقارن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بين منهجَين في تلقي الدين والدراسة الدينية كما ورد في سورة الجمعة: الأول هو منهج رجل الدين الإنسان المذكور في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، وهو المنهج الأصيل القائم على التزكية والتعلم المباشر من قرآن محمد صلى الله عليه وآله المفسر بتفسير علي وآل علي صلوات الله عليهم وفق بيعة الغدير. والمنهج الثاني هو منهج رجل الدين الحمار المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، وهو مسلك المؤسسات والمراجع الدينية التي تجمع المدوّنات والنصوص دون فهم حقيقي أو تسليم لمنابع الكتاب والعترة.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان الخلاصة والرسالة العملية الكلية؛ إذ يؤكد أن السلسلة المعرفية والعاطفية المستقيمة تبدأ من إمام زماننا صلوات الله عليه؛ فلا يمكن الوصول إلى حب الله سبحانه وتعالى إلا عبر حب رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يُنال حب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بـ حب العترة الطاهرة، ولا يتحقق حب العترة الطاهرة إلا بـ معرفة إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام وحبه، مصداقًا للحديث الشريف: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". ويدعو الشيخ الشباب والباحثين عن الحقيقة إلى مراجعة القرآن الكريم وتدبر آياته بعين التجريد والإنصاف، وهجر المنظومات المحرفة والقراءات المرجعية والحديثية البدعية، والتمسك الحصري بـ دين الكتاب والعترة المأخوذ من بيعة الغدير.