جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 481
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 22 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 11 / 7 / 2023م
صرّح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مطلع هذه الحلقة—وهي الحلقة الحادية والثمانون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة، والجزء السابع من عنوان لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي ضمن ملف الكتاب والعترة—بأنها استكمال وتتمة لما ابتدأه في الحلقة الماضية من تسليط الضوء على تحريف وتزييف سقيفة بني ساعده التي بُنيت ظواهرها وبواطنها على التحريف والتزييف، ومواصلةٌ للجولة القرآنية لبيان حقيقة حدود علاقتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب القرآن الكريم بعيدًا عن مكتبة التحريف والتزييف السنية والمكتبة الطوسية لمراجع النجف وكربلاء.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول تحديد أبعاد وحدود علاقتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بعيدًا عن الضلالات والتحريفات التاريخية والمذهبية، حيث يبيّن الشيخ أن القرآن الكريم قد رسم معالم هذه العلاقة بأربعة أركان أساسية هي: عقيدة ومودة وطاعة وأدب، مستعرضًا نماذج وآيات متعددة تُثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم هم المصدر الحصري والوحيد للثقافة القرآنية والعلم الديني، وأن الطاعة والمودة لهما مطلقة بلا حدود، بينما وُضعت ضوابط وحدود صريحة ومقيدة للعلاقة مع غيرهم كالصحابة وأزواج النبي.
بيّن الشيخ انطلاقًا من قوله تعالى في سورة الجمعة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، أن النص الشريف يضع حدًا رئيسيًا يثبت أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هو المصدر الوحيد لعلمنا وثقافتنا الدينية، وأن غيابه يقتضي الرجوع إلى المعصومين وفق حديث الثقلين ومواثيق بيعة الغدير وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، مفسرًا مفهوم منهج رجل الدين الإنسان المأخوذ عن النبي والراسخين في العلم في مقابل منهج رجل الدين الحمار الشاخص في الآية الخامسة من السورة نفسها، ومؤكدًا بقواعد المنطق والفطرة والتاريخ أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الملتصق بالوحي والأقرب إلى النبي نهارًا وليلاً، والموصوف في القرآن بأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، مما يجعله المصدر الحصري لتفسير القرآن بعيدًا عن المراجع والعلماء غير المعصومين.
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التفرع العملي والتكليفي لمعرفة المصدر العلمي في قوله تعالى من سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، موضحًا أن التعبير القرآني جاء بفعل {أَطِيعُوا} واحد يجمع بين رسول الله صلى الله عليه وآله وأولي الأمر صلوات الله عليهم دون إعادة الفعل، لأنهم يتصفون بالوصف الإلهي نفسه في كونهم الراسخون في العلم، ولأن الأوامر والنواهي الصادرة منهم معصومة وصحيحة تمامًا، مما يجعل طاعتهم طاعة مطلقة متصلة بطاعة الله عز وجل، ورابطًا بين النهج الإبليسي الذي بتر العترة الطاهرة عن أولي الأمر وبين الصلاة البتراء التي بَترت الآل الشريف.
تناول الشيخ التكامل المفهومي والعقائدي بين آية الطاعة والآية الثالثة والثمانين من سورة النساء: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، مؤكدًا أن المعصومين المتمثلين بالرسول وأولي الأمر لا يمكن أن يكونوا مصدرًا للاختلاف أو الفتنة لأنهم يعلمون العلم كما يريد الله، بل إن منشأ الاختلاف والفتن ينحصر في الأمة نفسها التي لم تسلم أمرها لهم، وانقسمت بقعودها وانحرافها في سقيفة بني ساعده وسقيفة بني طوس بين غادر وحمار غبي، مشددًا على أن العقل والفطرة يرفضان توكيل كتاب الله المعصوم إلى غير المعصوم أو منح الطاعة المطلقة لأي مراجع أو علماء غير معصومين.
انقل الشيخ إلى حد الأسوة الحسنة بـ رسول الله صلى الله عليه وآله المذكور في قوله تعالى من سورة الأحزاب: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، مبيّنًا أن الأسوة تنبع من الحكم الفطرية الموجهة للاقتداء بالسيرة النبوية، ومستشهدًا بأبرز تطبيق عملي وموقف حاسم في السيرة النبوية تجلّى في آية المباهلة من سورة آل عمران: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، حيث أمر الله تعالى نبيّه الأعظم أن يتوسل بتقديم علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، ليكون هذا التوسل النبوي الأقدس هو الجذر الشرعي والقرآني المباشر لـ منظومة الزيارات والتوسل الشيعية بعيدًا عن ضلالات الوهابية وجُهّال الفريقين.
عمّق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تأصيل مفهوم الوسيلة بجمع قوله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} مع آية سورة الإسراء: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}، مبيّنًا من خلال الإعراب البلاغي لـ {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} (بكونها جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب عطف بيان وتفسير للوسيلة) أن النص القرآني يحدد الوسيلة بالحقيقة الأقرب ذواتًا ومودةً إلى الله ورسوله وهم العترة الطاهرة صلوات الله عليهم دون غيرهم، مفندًا مزاعم التفاسير السنية التي ترجع الوسيلة للأعمال الصالحة أو التوسل بغير الأقرب كالصحابة أو العباس، ومؤكدًا أن العترة هم أبواب النجاة وسفن الخلاص وأقرب الوسائل وأوسعها.
أوضح الشيخ دلالة قوله تعالى في سورة التوبة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}، موضحًا أن التعبد المالي والإنفاق في فناء النبي وآله—والذي يُعد الخمس من أبرز مصاديقه—هو تطبيق عملي لتقديم الدين على الدنيا ونيل صلاة النبي الأعظم التي تزكي نفوس المؤمنين، وناقدًا شدة نقد الجهالة الطوسية في المرجعية والخطابة التي تزعم أن صلاة البشر على محمد وآله ترفع من شأن المعصوم، بينما الحقيقة القرآنية تؤكد أن الصلاة المحمدية الكاملة ترفع شأن المصلين ببركة صلاة المعصومين عليهم، ومحذرًا من الوقوع في الصلاة البتراء أو الصلاة البدعية الموجبتين للعنة والضلال.
استدل الشيخ بقوله تعالى في سورة الأحزاب: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} على الولاية المطلقة لـ رسول الله صلى الله عليه وآله تكوينًا وتشريعًا على أنفس المؤمنين وأموالهم، وهي الولاية الحصرية التي أثبتها لأمير المؤمنين في بيعة الغدير وتستمر في العترة الطاهرة، مقترنةً بأجر الرسالة المفتوح بلا حدود في سورة الشورى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}، حيث يبيّن أن المودة للقربى واجب مطلق لا يحده حد لأن أجر الرسالة ومقام محمد وآله لا حدود له، في مقابل الضوابط والحدود العرضية المشروطة المضروبة على أزواج النبي؛ إذ إن فضيلتهن عرضية مشروطة بدوام العصمة والقرار في البيوت والتقوى، ولا تقاس بالمقامات الذاتية المطلقة لـ الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها.
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الآيات الصريحة في سورة التحريم: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} مع آيات سورة الأحزاب الموجهة لأزواج النبي كقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ}، موضحًا أن القرآن وضع حدودًا صارمة ومشددة للعلاقة مع زوجات النبي (كعائشة وحفصة) ترتبط بمدى التزامهن بالتقوى وطاعة الرسول، وأن صغُوّ قلوبهن وتظاهرهن وضعهن في مواجهة جبهة إلهية تضم الله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة، مشيرًا إلى خروجهن عن شرط القرار وإشعال الحروب كسفك الدماء في الجمل، بينما تقف الصديقة فاطمة صلوات الله عليها بمقام ذاتي معصوم يُرضي الله لرضاها ويغضب لغضبها مطلقًا في كل زمان ومكان.
لخّص الشيخ ضابطة العلاقة بحسب المفهوم القرآني استنادًا إلى قوله تعالى في سورة التوبة: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} وقوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، موضحًا أن مصطلح الأعراب في ثقافة العترة ينطبق على النواصب وكل من يجهل حدود الله ولا يلتزم بها، وأن البشارة الإلهية لا تتحقق للمؤمنين إلا باجتماع صفات الإيمان مع الجزء الأخير من العلة وهو الحفظ لحدود الله؛ حيث إن حدود العلاقة مع النبي الأعظم وآله صلوات الله عليهم هي ألا حدود مطلقًا لأنهم معصومون ومطلقون، بينما العلاقة مع الصحابة وأزواج النبي محدودة بحدود القرآن وأفعالهم ومقدار قربهم أو بعدهم عن الحق.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كلمته بدعوة عامة لشباب السنة وشباب الشيعة إلى التمسك بـ قرآن محمد صلى الله عليه وآله والالتزام بحدوده الناصعة، ونبذ التضليل والتقصير الصادر عن المؤسسات المرجعية الطوسية والعلماء المخالفين الذين يرفعون الصحابة وأزواج النبي فوق الحدود القرآنية ويقصرون في حق العترة المعصومة، مؤكدًا أن النجاة والعقيدة الصحيحة لا تنالان إلا بالمعرفة المأخوذة من نبع الكتاب والعترة، والدعاء لعموم المؤمنين والمؤمنات بالثبات والوعي العقائدي الشامل.