جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 482
تاريخ البث : يوم الأربعاء 23 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 12 / 7 / 2023م
تواصل هذه الحلقة، وهي الحلقة 482 من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، والجزء الثامن تحت عنوان لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي)، استكمال الجولة المعرفية في آيات القرآن الكريم التي ترسم حدود علاقتنا بـ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله عقيدةً ومودةً وطاعةً وأدباً. وتأتي هذه المحاضرة كاستكمال طبيعي لما قُدِّم في الحلقتين الماضيتين لتبيّن الحقائق من خلال معرفة أضدادها، وكشف ما جرى من تحريف وتزييف في سقيفة بني ساعدة والامتداد الطوسي لها، وذلك بعد استعراض النماذج التطبيقية السابقة كـ العقيدة الدرزية وحركة جهيمان العتيبي.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول رسم اللوحة العقائدية الكاملة للولاية الإلهية المطلقة لـ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت صلوات الله عليهم، وإثبات التلازم والتمازج التام بين طاعة الله وطاعة الرسول وولي أمره أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، مع إبراز أن بيعة الغدير هي الميزان الفاصل والحد الأعظم بين الإيمان والكفر، والرد المباشر على محاولات التزييف والتحريف التاريخية التي سعت لإبعاد الأمة عن الحق الإلهي.
يتناول الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بالبحث والتحليل الآية التاسعة وما بعدها من سورة الفتح: ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، موضحاً استخدام بلاغة القرآن لقاعدة اللف والنشر، حيث عُطفت جملة ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ على الله تعالى لفظاً مع تقديم ما يرجع لـ رسول الله صلى الله عليه وآله للتأكيد على أن التعامل مع الله يكون عبر الوسيلة الأقرب وهو النبي الأعظم. وتُتبع بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لبيان عدم الفارق والتمازج في التعامل كما ورد في دعاء شهر رجب: "لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلاَّ أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ"، وكما في سورة الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾، للتمييز الحاسم بين بيعة الشجرة بكونها بيعة جزئية، وبيعة الغدير بكونها البيعة الكلية المطلقة.
يستعرض الشيخ دلالات الاختصاص والشراكة في الخطاب الإلهي لـ أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، مبيناً من سورة النساء: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، أن الخطاب بـ "جاءوك" موجه لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه وفق تفسير العترة الطاهرة في الكافي الشريف، حيث جُعل الرسول جهة أخرى مستغفرة. ويُعَضَّد ذلك بآية التحكيم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وآية رد الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر من سورة النساء، مع الربط بمنزلة الوزير والشرك الواردة في سورة طه: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، وتطبيق حديث المنزلة: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي".
ينتقل الشيخ عبدالحليم الغزي إلى بيان الرؤية الشاملة للأعمال في سورة التوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، موضحاً أن "المؤمنون" هم العترة الطاهرة (علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة صلوات الله عليهم)، وأن رؤيتهم لا تُحدّ بـ الزمان والمكان بل هي رؤية أحاطية من سنخ رؤية عالم الغيب والشهادة. ويربط الشيخ ذلك بالرحمة المطلقة في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، إثباتاً لأن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ليس مجرد نبي بشري محدود، بل هو رحمة محيطة بكافة العوالم العلوية والسفلية.
يشرح الشيخ حقيقة الإمام المبين في سورة يس: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، مؤكداً أنه الحقيقة النورانية الجامعة لـ رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، مع الشاهد التطبيقي في آية المباهلة للتوسل بأصحاب الكساء. ويقارن الشيخ بين وصف العظمة الصادر من الله تعالى في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وبين الأوصاف المقيدة في سورة يوسف وسورة النمل، لتبيان أن الخُلُق العظيم هو وصف للبنية التكوينية والعظمة الذاتية الصادرة من الله العظيم، والتي تتجلى عملياً في التعامل مع الأمة في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
يُسلط الشيخ الضوء على الجانب العاطفي والمسؤولية الإلهية الكبرى في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، مبيناً أن معنى البخع هو قتل النفس بشدة وحسرة على جهل الخلق، ويتطابق ذلك مع قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. ويُبين الشيخ عبدالحليم الغزي أن هذه الحسرة هي حالة رسول الله صلى الله عليه وآله وإمام زماننا صلوات الله عليه تجاه ما ارتكبته الأمة من استهزاء وغدر، ابتداءً من رزية الخميس ورمي النبي بالإهجار، وصولاً إلى الانقلاب على بيعة الغدير.
يقف الشيخ عند الآية الحاكمة والفاصلة في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، موضحاً أنها البيعة العظمى التي تُعدّ شرطاً لقبول الرسالة بكاملها. ويقرر الشيخ أن أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه هو ميزان الأعمال المذكور في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، وهو الصراط المستقيم وقسيم الجنة والنار، وتتوج ذلك الآية الثالثة من سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ التي تجعل كمال الدين وتمام النعمة محصوراً بـ ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
يُورد الشيخ عبدالحليم الغزي الأدلة والتأكيدات من كتب المخالفين، مبرزاً ما رواه البخاري في صحيح البخاري في كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب في حواره مع اليهودي الذي أدرك أن آية إكمال الدين هي أعظم عيد لو نزلت على اليهود، وكيف حرّف عمر موضع نزولها بادعاء نزولها في عرفة يوم الجمعة للتغطية على يوم الغدير. ويتبع ذلك بنقل نص رواية تفسير عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري في جمع 120 ألفاً بـ غدير خم وسماعهم لـ حديث الثقلين وقول النبي الأعظم: "مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، وَمَنْ كُنْتُ إِمَامَهُ فَعَلِيٌّ إِمَامُهُ...".
يُستكمل التوثيق التاريخي والحديثي بعرض ما أخرجه الحاكم النيشابوري في المستدرك على الصحيحين وتصحيحه للحديث على شرط الشيخين، وما أورده الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل من صيام يوم 18 ذي الحجة وتهنئة عمر لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعبارة "بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن"، وما وثقه جلال الدين السيوطي في الدر المنثور، إضافة إلى تصحيح محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ورده على تضعيفات ابن تيمية، لإثبات أن حقيقة الغدير جلية حتى في مصادر خصومها.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالخلاصة والرسالة العملية، مؤكداً أن حدود العلاقة القويمة مع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت صلوات الله عليهم تكتمل بـ العقيدة والمودة والطاعة والأدب. وتتلخص الممارسة العملية الواجبة في التمسك المطلق بـ بيعة الغدير وحقيقة الكتاب والعترة، والالتجاء التام إلى إمام زماننا صلوات الله عليه، والبراءة الواعية من كافة أشكال التحريف والتزييف العقائدي والديني.