جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 483
تاريخ البث : يوم الخميس 24 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 13 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه الحلقة، وهي الحلقةُ الثالثةُ والثمانون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة، والجزءُ الرابع من ملف "الكتاب والعترة"، استكمالًا ومتابعةً مباشرةً لما طُرح في الحلقات المتقدمة ضمن الجزء التاسع من عنوان "لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي". حيث يبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي صلتَها بما سبق؛ فبعدما تدرّج الحديثُ عبر بيان خطط التحريف في العقيدة الدرزية، وحركة جهيمان العتيبي، ثم الانتقال إلى سقيفة بني ساعدة، وعرض حدود العلاقة مع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بحسب القرآن الكريم تحت عنوان "علاقتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب القرآن عقيدة ومودة وطاعة وأدبًا"، يأتي هذا اللقاءُ ليُنقَل البحثُ فيه إلى جولةٍ ميدانية في المرويات المدونة في كتب المخالفين للوقوف على مضامينها ومقارنتها بتلك القواعد القرآنية الصارخة.
تدور الفكرةُ العامة لهذه المحاضرة حول أخذ جولةٍ تفصيلية في كتاب صحيح البخاري (مع الإشارة إلى صحيح مسلم) للوقوف على حقيقة عقيدة عائشة والصحابة والتابعين والبخاري ومسلم وعلماء السنة في شخص ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث يسعى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى وضع هذه المرويات المودعة في أكثر الكتب قدسيةً عندهم في كفة، وفي الكفة الأخرى المقابلة الآياتُ المحكمة من كتاب الله تعالى التي بيّنت مقام النبوة، ليكشفَ من خلال عقد المقارنة التحليلية للمتون عن حجم التناقض الصريح والمطلق والمائة بالمائة بين نبي القرآن الكريم المجلل بالكمال والعظمة، وبين الصورة المشوهة والمليئة بالنقائص والافتراءات التي أخرجها البخاري في صحيحه.
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي استعراض الشواهد من صحيح البخاري بالوقوف عند ما ورد في "كتاب الجنائز" في باب الدخول على الميت بعد الموت، حيث يُنسب لـ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أنه قال عن نفسه عند وفاة عثمان بن مظعون: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي»، مما يظهره بمظهر من يجهل مصيرَه وعاقبتَه، وهو ما يتناقض كليًا مع بشارات القرآن بالفتح والفوز. ثم ينتقل الشيخ إلى ما أخرجه البخاري في "كتاب التعبير" في باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحي الرؤيا الصالحة برواية عائشة، من أن الوحي لما فتر حزن رسول الله صلى الله عليه وآله حزنًا غدا منه مرارًا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال محاولًا الانتحار، وكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ليقول له إنك لرسول الله حقًا فيسكن جأشه، ليعود لمثلها إذا طالت عليه فترة الوحي، مؤكدًا الشيخ أن هذه الصورة تُقدم مقام النبوة وكأنه حالةٌ نفسيةٌ مضطربة تتخبط في الشك وتريد التردي من الجبال.
ويستطرد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في التفتيش داخل صحيح البخاري ليعرض ما ورد في "كتاب الخصومات" في باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، حيث يُنسب لـ رسول الله صلى الله عليه وآله النهيُ عن تفضيله بقوله: «لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى»، معللاً ذلك بأن الناس يصعقون يوم القيامة فيصعق معهم، فيكون أول من يفيق فإذا بموسى باطش بجانب العرش فلا يدري أكان ممن صعق فأفاق قبله أم كان ممن استثناه الله. ويضم الشيخ إلى ذلك ما جاء في "كتاب تفسير القرآن" في تفسير سورة الصافات، من مرويات تُقرر أنه «مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، وفي لفظ آخر: «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ»، متسائلاً الشيخ كيف يُسلب مقامُ أفضالية سيد الكائنات وخاتم الأنبياء والمرسلين المتقرر في محكم القرآن وتُجعل منزلته دون بقية الأنبياء في مرويات الصحيح.
ويمضي الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في كشف المرويات المسيسة لمقام الصلاة، مستعرضًا ما جاء في "كتاب الصلاة" و"كتاب السهو" في صحيح البخاري، من ادعاء طروء السهو والنقص والزيادة على صلاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، كحديث ابن مسعود في صلاته الظهر خمسًا وقوله للمصلين: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»، وكذلك حديث أبي هريرة في "باب تشبيك الأصابع في المسجد" والمشهور بحديث ذي اليدين، حيث يُزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى إحدى صلاتي العشي ركعتين وسلم ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه، حتى سأله ذو اليدين أَنَسِيتَ أم قَصُرَت الصلاة، فينفي أولاً ثم يراجع المأمومين ليتم صلاته ويسجد للسهو، ويرى الشيخ أن هذه الروايات تُظهر المصلين وكأنهم أشد حيطةً وتوجهًا في الصلاة من رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه، مما يضرب عصمته وحجية أفعاله الصريحة.
ويصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى ما نُسب في صحيح البخاري لمقام القرآن والحفظ الإلهي، مستشهدًا بما ورد في "كتاب فضائل القرآن" في باب نسيان القرآن، برواية عائشة أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله سمع رجلاً يقرأ في المسجد بالليل فقال: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»، وفي لفظ آخر: «كُنْتُ أُنْسِيتُهَا»، موضحًا الشيخ أن هذا المضمون المفترى يضرب أصل الأمانة في التبليغ ويناقض صريح قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾. كما يتطرق الشيخ إلى ما ورد في "كتاب الطب" من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله سُحر حتى كان يُخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، مبينًا أن ادعاء وقوع السحر والتأثير النفسي والعقلي على مقام النبوة الأقدس هو إسقاطٌ لثقة الأمة بالوحي وبكل ما يصدر عن الخاتم صلوات الله عليه وآله.
ويتابع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عرض هذه المفارقات ببيان ما أخرجه البخاري في "كتاب الأذان" باب إذا قال الإمام مكانكم حتى أرجع فانتظروه، عن أبي هريرة أن الصلاة أقيمت واستوت الصفوف فخرج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وتقدم وهو جنب، ثم قال للمصلين على مكانكم فرجع فاغتسل ثم خرج ورأسه يقطر ماءً فصلى بهم، معتبرًا الشيخ أن هذا الوصف يتنافى مع خلق النبوة العظيم ورسالتها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يضاف إلى ذلك ما أخرجه البخاري في "كتاب الوضوء" من حديث عبد الله بن عمر بدعوى أنه ارتقى ظهر بيت فرأى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته، وما أخرجه عن حذيفة في باب البول عند سباطة قوم من أنه أتى المزبلة فبال قائمًا ودعا حذيفة حتى قام عند عقبه، حيث يرى الشيخ أن نسبة هذه الهيئات المستهجنة إلى سيد الأنبياء ونبي النظافة والأناقة والكمال هي طعنٌ صريح في شخصيته الشريفة.
ويتطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الجانب المتعلق بروايات العلاقات الزوجية والطهارة في صحيح البخاري، مبرزًا ما ورد في "كتاب الغسل" و"كتاب النكاح" و"كتاب الصوم" برواية عائشة وأنس بن مالك، من ادعاء أنه صلى الله عليه وآله كان يدور على نسائه التسع أو الإحدى عشرة في الساعة الواحدة من الليل والنهار بغسل واحد، حتى في ظروف الحج وإحرامه أو في حال الصيام والاعتكاف. وما رافق ذلك من نصوص غسل الجنابة وفرك المني من ثوبه وادعاء خروجه إلى الصلاة وأثر بقع الماء والجنابة ظاهرٌ على ثيابه أمام المسلمين، وما ورد في "كتاب الحيض" من زعم اتكائه في حجر عائشة وهي حائض ليقرأ القرآن، أو المباشرة في فور الحيض. ويعلق الشيخ بأن هذه المرويات تُرسخ صورةً تهدم التوقير والتعظيم الذي افترضه الله جل وعلا لرسوله الكريم في قوله تعالى: ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
ولم يقف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عند البخاري وحده، بل عرّج على صحيح مسلم مبيّنًا أنه يجري على المنوال نفسه في إسقاط الحرمة والوقار، مستشهدًا بما ورد في "كتاب الحيض" باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، عن عائشة أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، وعائشة جالسة إلى جواره، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: «إِنِّي لأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ». ويضم إليها ما ورد في البخاري في "كتاب النكاح" من دخوله صلى الله عليه وآله على عائشة ورؤيته رجلاً غريبًا في حجرتها الخاصة وقولها إنه أخوها من الرضاعة ورد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: «انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»، مؤكدًا الشيخ أن هذه التفاصيل المفتراة تزيد من تكريس الصورة غير اللائقة بمقام صاحب الرسالة الخاتمة.
ويضع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه المرويات في إطارها العقائدي العام، مبيّنًا أن إبليس قد ضحك على الأمة وزيّف عقائدها منذ حادثة السقيفة، كما ضحك على الدروز في تقديس الحاكم بأمر الله الفاطمي ورسائل الحكمة، وعلى جهيمان العتيبي في مهديته المزعومة. وينتقد الشيخ بشدة المؤسسة الدينية والمراجع في النجف وكربلاء لكونهم تركوا منهج العترة الطاهرة وركضوا وراء مخرجات السقيفة وكتب المخالفين وسرقوا منها وصدروا المنهج البتري ودمروا روايات أهل البيت صلوات الله عليهم وحاربوها، مذكرًا بحديث الإمام الصادق صلوات الله عليه: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَنَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَتَنَكَّبِ الْفِتَنَ»، للتدليل على أن الانحراف عن القرآن يوقط في الفتن والضلال.
وفي ختام المحاضرة، يُقدّم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الخلاصةَ والرسالةَ العملية الموجهة للباحثين عن الحقيقة من الشباب، داعيًا إياهم إلى البراءة المطلقة من هذه العقائد المنحرفة المنسوبة في الصحيحين إلى الصحابة والتابعين والعلماء، وعدم الانخداع بالمسانيد أو الاعتماد على التوثيقات الرجالية والكتب الموروثة مجردةً عن نقد المتون. ويؤكد الشيخ أن الحل العملي الوحيد للخروج من هذه التزيفات يكمن في العودة المباشرة إلى المحكم من قرآن الله جل وعلا وعرض جميع الأحاديث والمرويات على متونه ومضامينه، والتمسك بالثقلين الكتاب والعترة الطاهرة، لكون القرآن الكريم هو الميزان الأعلى والمهيمن الحاكم في تنزيه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وتوقيره وتعظيمه كما أراد الله تبارك وتعالى.