جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 485
تاريخ البث : يوم السبت 26 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 15 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة الخامسة والثمانون بعد الأربع مائة من برنامج الخاتمة (وهي الحلقة الحادية عشرة من الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة تحت عنوان لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي)، استكمالًا وتتمةً وتلخيصًا لما تقدّم في الحلقات الخمس الماضية المتصلة بموضوع سقيفة بني ساعدة. فقد عرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ثلاث حلقات سابقة علاقتنا بـ رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب القرآن الكريم عقيدةً ومودةً وطاعةً وأدبًا، ثم بيّن في حلقتين تاليتين عقيدة عائشة والصحابة والتابعين والبخاري ومسلم وكبار علماء السنة برسول الله، موضحًا مخالفتها الصريحة للقرآن الكريم. وتتحدد غاية هذه الحلقة في تلخيص النتيجة المترتبة على البيانات السابقة في أربع نقاط كبرى تضبط حدود الفكر والعقيدة.
يقوم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذا البيان بتقديم الخلاصة الجامعة والنتيجة المستخلصة من الحلقات السابقة من دون مطالبة المتابعين بالاتّباع الأعمى أو الانقياد، بل يدعوهم إلى الإنصاف والتدبر والرجوع إلى الآيات المحكمة في القرآن الكريم ومقارنتها بما جاء في الكتب والصحاح كـ صحيح البخاري وصحيح مسلم. ويشدد الشيخ على أن أداءه لواجبه الشرعي ينطلق من نظره المباشر إلى إمام زماننا صلوات الله عليه، داعيًا شباب الشيعة والسنة على حد سواء إلى تنحية العاطفة وإعمال العقل والاحتجاج بكلام الله تعالى وما صح عن العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.
تتمثل النقطة الأولى في أن القرآن الكريم هو الأصل وقاعدة المعلومات الكبرى في ديننا لاستكشاف حقائق الدين وتخيص الفضيلة من الرذيلة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التمسك بـ القرآن الكريم يقتضي أخذ تفسيره وحقائقه من الراسخين في العلم وهم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم بحسب حديث الثقلين، لا من مفسري سقيفة بني ساعدة ولا من علماء ومراجع سقيفة بني طوسي في النجف وكربلاء الذين يصفهم بالابتعاد عن منهج أهل البيت عليهم السلام.
تُبيّن النقطة الثانية أن القرآن الكريم وضع حدودًا إلهية حاسمة للعقيدة والأحكام والأخلاق ولعلاقتنا بـ رسول الله صلى الله عليه وآله، ويجب على المؤمنين الالتزام التام بهذه الحدود وعدم التعدي عليها. وقد استشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، وبقوله سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، موضحًا أن الأعراب في الثقافة العقائدية هم النواصب وكل من خرج عن حدود العقيدة القرآنية، وأن تمام الإيمان والانتفاع بالدين مشروط بالحفاظ على حدود الله كما في قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
تترتب النقطة الثالثة منطقيًا على النقطتين السابقتين؛ فبعد أن اتضح أن عقيدة عائشة والصحابة والتابعين والرموز المذكورين في صحيح البخاري وصحيح مسلم تقع بتمامها خارج حدود العقيدة القرآنية وتخالفها بنسبة مئة بالمئة، يغدو واجبًا على كل مسلم البراءة من تلك العقائد المنحرفة وتجنبها. ويحث الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المتابعين على مراجعة الوثائق والأدلة وشواهد الصحاح والمناقشة المنصفة للوصول إلى الحقيقة الناصعة، مؤكدًا أن البراءة من أعداء العترة الطاهرة صلوات الله عليهم وعقائدهم الباطلة هي ركن أساس في الاستقامة العقائدية.
توضح النقطة الرابعة والأهم أن الانتفاع بنور الدين في الدنيا والفوز به في الآخرة مرهون بتسديد أجر الرسالة، وهو الفاتورة الرئيسة المتمثلة في مودة القربى كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾. ويشرح الشيخ أن الفواتير الفرعية كالتكاليف والواجبات يمكن أن تُجبر بالشفاعة، بينما مادة الشفاعة نفسها تتكون من تسديد الفاتورة الرئيسة. وتقتضي هذه المودة تهيئة المقدمات المعرفية الصحيحة للوصول إلى الحب الاضطراري السليم، إذ إن المقدمات الخاطئة لدى أبناء السنة قادتهم إلى تفضيل الصحابة على أهل البيت صلوات الله عليهم، موضحًا أن هذا الأجر هو حساب مفتوح بالقلب والعقل والمال والجسد لخدمة محمد وآل محمد صلوات الله عليهم.
يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي شواهد قرآنية متفرقة تُظهر الفارق الجوهري بين الأنبياء السابقين ورسول الله صلى الله عليه وآله؛ حيث نفى الأنبياء السابقون كـ نوح عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾، وهود عليه السلام، وصالح عليه السلام، ولوط عليه السلام، وشعيب عليه السلام، وحبيب النجار في سورة يس، طلب أي أجر من أقوامهم لأن نبواتهم كانت مقدمات وتوطئة للدين الخاتم. أما في شأن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، فقد جاء البيان الإلهي مفصلًا ومحددًا بأن الأجر المطلوب - كقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلَّعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ - إنما يعود نَفعه بالكامل إلى الأمة نفسها كما صرحت سورة سبأ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، لأن السبيل والذكرى هما ولاية علي وآل علي صلوات الله عليهم.
يؤكد الشيخ أن ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه هي الحقيقة الكبرى والمقصد الأعظم لبيعة الغدير، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ وفي قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾، والتي بغيرها يتلاشى التوحيد وتنتهي الرسالة كما ورد في آية التبليغ. ويشير الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن الشارع جعل محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله مقدمة على كل المتعلقات الدنيوية كما في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، موضحًا أن الجهاد حالة استثنائية طارئة لحماية الأبدان، بينما أصل الدين قائم على العقول والقلوب ومودة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.
ينتقل الشيخ إلى النماذج التطبيقية للتحريف والتزييف في صحيح البخاري، مستشهدًا بحديث بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة وقتله للأسرى ورواية ابنه عبد الله بن عمر؛ حيث رفع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يديه مرتين وقال: "اللهم إني أبرا إليك مما صنع خالد". ويتساءل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف يُدّعى أنه سيف الله المسلول بينما رسول الله صلى الله عليه وآله يتبرأ من أفعاله ويكرر ذلك مرتين، موضحًا أن سيف الله المسلول الحقيقي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الذي كان النبي شريكًا له في كل دم سفكه بعلم وإخلاص وحق إلهي.
يكشف الشيخ التناقض الصريح داخل صحيح البخاري بين تبرؤ النبي من خالد بن الوليد وبين الرواية المنسوبة لـ عمرو بن العاص التي تزعم أن "الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر". ويبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه الرواية مكذوبة وباطلة وتصادم القرآن الكريم والعقل السليم، إذ كيف يكون المخطئ في الدماء مأجورًا وكيف يتبوأ مجتهد مخطئ الأجر بينما يتبَرّأ رسول الله صلى الله عليه وآله من فعله؟ وينبه الشيخ إلى أن علماء السقيفة ومراجع النجف الطوسيين قد شيدوا مذاهبهم وفتاواهم على هذه المبادئ الباطلة والتبريرات الترقيعية.
يقدم الشيخ أمثلة أخرى صارخة على التحريف والتزييف في صحيح البخاري وكتب أهل السنة، منها ما رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ من حديث سعيد بن جبير وابن عباس وتزييف المعنى بجعل القرابة شاملة لجميع بطون قريش بما فيهم الفساق والقوادون. كما يستعرض حديث كعب بن عجرة في صحيح البخاري المفسر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ والذي يوجب الصلاة على محمد وآل محمد، مستدلًا بما ذكره ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة من النهي النبوي عن الصلاة البتراء، ثم تناقض العلماء باستعمال الصلاة البتراء طوال كتبهم ومصنفاتهم (كما فعل محيي الدين بن عربي وغيره)، مما يثبت أن لعبة إبليس قد حولت الدين إلى مهزلة وجعلت أدعياءه مسخرة.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالرسالة العملية والتوصية الختامية الموجهة إلى شباب الشيعة والسنة الباحثين عن الحقيقة، داعيًا إياهم إلى ألا يقبلوا كلامه لمجرد قوله، بل أن يفحصوا الوثائق والنصوص بأنفسهم، وأن يتقصوا حقائق دين العترة الطاهرة صلوات الله عليهم من ينبوعها الأصيل وهو القرآن الكريم بتفسير أهل البيت عليهم السلام، والتخلّي عن التبعية الأعمى لعلماء ورموز سقيفة بني ساعدة ومراجع سقيفة بني طوسي، مستنهضًا العقول لتمييز الحق من الباطل وتحكيم الميزان الإلهي للنجاة في الدنيا والآخرة.