جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 486
تاريخ البث : يوم الأحد 27 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 16 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة استكمالًا وتوضيحًا لما أُرسي في الحلقات المتقدمة من ملف الكتاب والعترة ضمن برنامج الخاتمة، حيث أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن ما يقدمه هنا يمثل حاشية توضيحية على النتيجة الأساسية التي أُستخرجت سابقًا بشأن الفاتورة الرئيسة للدين؛ ومفادها أن دين النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لا يمكن الانتفاع منه في الدنيا والآخرة ما لم يُسدد المكلف أجر الرسالة المفترض قرآنيًا، والمتمثل في عقيدة المودة لـ العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. وقد بيّن الشيخ أن هذه الحاشية أملتها ضرورة التوسع في الشواهد الحديثية التي تثبت أن بغض أهل البيت يناقض جوهر الدين ويهدم أصل القبول الإلهي.
اندثر المضمون الحقيقي للدين تحت شعار الحلقة المحوري: لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة، إضافة إلى العنوان الفرعي الصريح الذي رفعه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي: وحق علي المرتضى يا رسول الله إنهم كذابون كذابون كذابون وليسوا كاذبين. ويهدف هذا الطرح إلى كشف زيف المنظومة الحديثية والتاريخية التي اعتمدتها مدرسة السقيفة وتأثرت بها حوزة النجف وكربلاء عبر المراجع الطوسيين، مما أدى إلى تغييب صورة رسول الله صلى الله عليه وآله الناصعة واستبدالها بمرويات مشوهة تُسقط مقام النبوة الأقدس.
استعرض الشيخ أصول الشواهد من التراث الحديثي لمدرسة الجمهور لإقامة الحجة عليهم من كتبهم المعتمدة؛ حيث أورد ما جاء في تفسير عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري بلفظ رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفس محمد بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أكبه الله عز وجل في النار على وجهه، وهو المضمون ذاته المؤكد في المستدرك على الصحيحين لـ الحاكم النيشابوري الذي صححه على شرط مسلم بلفظ: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار. كما أشار إلى ما رواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل بسنده عن ابن عباس في تفسير آية قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وأن القربى هم علي وفاطمة وولدهما من الحسن المجتبى صلوات الله عليه إلى قائم آل محمد الحجة بن الحسن عليه السلام، معريًا التحريفات والالتفافات الشافعية والقرشية الواردة في الدر المنثور لـ السيوطي لتفريغ الآية من فرض المودة.
وفي مقابل التزييف الشافعي، قدم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نصوصًا شريفة من المصادر الشيعية الأصيلة، مستشهدًا بما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة في حديث سعد الأشعري القمي حين سأل إمام زماننا صلوات الله عليه عن تأويل قوله تعالى لـ موسى عليه السلام: فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، فأجابه إمام زماننا صلوات الله عليه بأن المراد نزع حب الأهل والأسرة من متن القلب ليكون الحب الخالص لله تعالى وحده، بينما جعل الله مودة عترة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله استثناءً واجبًا وأجرًا للرسالة. كما أعاد الشيخ قراءة الحديث المروي في الخصال عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في أن النبي عُرج به مائة وعشرين مرة، وما من مرة إلا وأوصاه الله تعالى بالولاية لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه والأئمة أكثر مما أوصاه بالفرائض، لأن الولاية هي الفاتورة الرئيسة بينما الأعمال عبارة عن فواتير فرعية، منتقدًا مسلك المراجع الطوسيين في تضعيف هذه الأحاديث الشريفة.
انتقل الشيخ إلى تشريح نماذج الكذب المنسوب لـ رسول الله صلى الله عليه وآله في صحيح البخاري، وتحديدًا الرواية المنسوبة لـ عائشة في كتاب مناقب الأنصار التي تزعم أن النبي عقد عليها وهي بنت ست سنين في مكة، ودخل بها في المدينة وهي بنت تسع سنين بعد أن تساقط شعر رأسها ومرضت، وأن أمها أم رومان زفتها وهي تلعب على الأرجوحة وأجلستها في حجر النبي بحضور الرجال والنساء. وقد فند الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه القصة بالكامل وميز بينها وبين ما جاء مطولًا ومضطربًا في مسند أحمد بن حنبل وشرح فتح الباري لـ ابن حجر العسقلاني، مؤكدًا أن هذا الهراء ينافي الفطرة الإنسانية السليمة، إذ كيف يُعقل للنبي الكريم الذي تزوج خديجة الكبرى صلوات الله عليها في عنفوان شبابها وطهارتها أن يرتكب مثل هذا السلوك المنافي لخصائص النبوة ومقامها.
أوضح الشيخ أن المنظومة الحديثية اضطرت لصناعة مرويات إضافية لترقيع التناقض الشنيع في القصة الأولى؛ فأورد ما جاء في صحيح البخاري من رواية اللعب بالبنات، ورواية المنام في سرقة من حرير، موضحًا أن هذه الأحاديث كُذبت لتغطية النقص ولإسباغ شرعية مفتعلة على رواية الزواج المشينة. وأكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على وجوب إعمال قاعدة التبيّن القرآنية الواردة في سورة الحجرات: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، مشددًا على أن النقد ينبغي أن يتوجه إلى المتون والمنطق العقلي ودلالة القرآن لا إلى المسانيد ورجال السقيفة.
وضع الشيخ المرويات الحديثية السنية في كفة والآيات القرآنية الآمرة بتقدير رسول الله صلى الله عليه وآله في الكفة الأخرى؛ حيث قارن بين الصورة المزيفة المشوهة في الأحاديث وبين ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك، وقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، وقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم. وصرح الشيخ بـ المفاصلة الحاسمة أمام المسلمين: إما أن تصدقوا الله تعالى في قرآنه وتكذبوا عائشة والبخاري، وإما أن تكذبوا الله لتصدقوا الروايات المكذوبة، ولا يوجد خيار ثالث إطلاقًا.
ولدعم تهافت المنظومة السنية، قدم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نصًا تاريخيًا قديمًا يُعد أقدم من صحيح البخاري وصحاح أهل السنة، وهو المذكور في الطبقات الكبرى لـ محمد بن سعد الزهري، والذي يروي أن أبا بكر كان قد أعطى عائشة لـ جبير بن مطعم، ثم استسلها منه بخدعة حتى طلقها ليتزوجها النبي. وأشار الشيخ إلى أن إيراد هذه الحكاية – بغض النظر عن صحتها الواقعية – يثبت اضطراب المرويات المذهبية وتخبط أرباب الحديث والسياسة في صناعة الفضائل الموهومة، ويكشف زيف ادعاء أصحية تلك الكتب الحديثية.
تناول الشيخ نموذجًا صارخًا آخر من كتاب الغسل في صحيح البخاري، وهو الحديث المنسوب لـ عائشة حين دخل عليها أبو سلمة وأخوها من الرضاعة، فدعت بماء في صاع فاغتسلت وأفاضت على رأسها بحضرتهما. وبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التناقض البنيوي الحاد بين هذا السلوك المروي والمليء بالإيحاءات الجنسية وبين الأحكام الشريفة الواردة في سورة الأحزاب المشددة على حجاب نساء النبي، كقوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقوله تعالى: وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، موضحًا أن الترقيع بإضافة عبارة "وبيننا وبينها حجاب" لا يرفع الشبهة بل يزيدها غرابة وتناقضًا.
خلص الشيخ إلى أن تراث مدرسة السقيفة المشحون بالخرافات والتناقضات قد حوّل الدين إلى مزبلة روائية، وأن السكوت عنه أو تبريره من قِبل رجال الدين يمثل دجلًا وشيطنة؛ موضحًا أن المذاهب والأفكار المأخوذة عن أبناء السقيفة والمراجع الطوسيين تُبعد الناس عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله الحقيقي الموجود في القرآن الكريم. وأكد الشيخ عبدالحليم الغزي أن رجال الدين الرسميين يمارسون التضليل والتكسب بتلك الروايات المشوهة، مستغلين جهل الجماهير وعدم مراجعتهم للمتون بعقولهم.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بـ الرسالة العملية والمطلب الختامي الموجّه بوضوح إلى الشباب السني والشباب الشيعي على حد سواء؛ حيث دعاهم إلى التحرر من التبعية الأعمى للمؤسسات الدينية ورجال الدين الكذابين، وإلى ممارسة التدبر والوعي وإعمال العقل في قراءة التراث. وأكد أن الطريق الوحيد لمعرفة الحقيقة بغير تزييف هو العودة الصريحة إلى القرآن الكريم والتمسك بـ محكم حديث العترة الطاهرة وحديث الثقلين وبيعة الغدير، لتجريد عقيدة المسلم من الأكاذيب وإعادة الاعتبار للمقام الأقدس لـ رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين صلوات الله عليهم.