جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 487
تاريخ البث : يوم الإثنين 28 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 17 / 7 / 2023م
تُشكّل هذه الحلقة استكمالًا وتتمةً مباشرة لما ابتدأه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة الماضية ضمن برنامج الخاتمة (الحلقة 487 / صولة القمر)، والمتعلق بملف الكتاب والعترة وباب كشف التحريف والتزييف العقائدي الوارد في المرويات؛ حيث يواصل الشيخ نقض ما ورد في صحيح البخاري بشأن حكاية زواج رسول الله صلى الله عليه وآله من عائشة، مؤكدًا تفنيد تلك الحكايات عبر عرضها على صريح القرآن الكريم والنصوص التاريخية الثابتة.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول تفكيك آليات التزييف والافتراء في الموروث الروائي لسقيفة بني ساعدة، حيث يسعى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى تنقية السيرة النبوية الشريفة من المرويات التي تُلحق النقص بمقام النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وتصوّره بصور لا تتناسب مع عصمته وقداسته، مستعرضًا تناقض المرويات المتعلقة بحياة عائشة وزواجها وظروف وفاتها، ثم الانتقال لمناقشة ودراسة حديث فضيلتها المروي في صحيح البخاري والملقب بـ حديث الثريد، ونقده علميًا وعقائديًا ومقارنته بالمحيط القرآني ومقام الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها.
استعرض الشيخ جملة من القرائن التاريخية والقرآنية التي تُبطل الروايات المتناقضة حول زواج عائشة وسنّها، موضحًا أن القراءة الفاحصة لكتاب الطبقات الكبرى لـ محمد بن سعد الزهري والقرائن الميدانية تثبت أن عائشة لم تكن صبيّة صغيرة كما صوّرتها المرويات المصنوعة، بل كانت امرأة متزوجة سابقًا من جبير بن مطعم وعاقرًا، فلما يئس زوجها أُرجعت إلى بيت أبيها، ثم أُلصقت بـ رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة نتيجة تعاطفه الكريم مع أصحابه؛ مشيرًا إلى أن تلك الروايات ذات الإيحاءات الجنسية صيغت لاحقًا لتلبية عقد نفسية ولتثبيت الشرعية السياسية والعقائدية لسلطة بني تيم بعد شهادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
توقف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عند المرويات المذكورة في صحيح البخاري والتي تدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله توفي ورأسه على فخذ عائشة وفي حجرتها، مفندًا هذا الادعاء عبر مقابلة تلك النصوص بما ثبت في المصدر الأصيل؛ حيث استشهد بما ورد في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في تأبين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: «وَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ»، مما يقطع بأن الشفيع الأعظم صلى الله عليه وآله فاضت روحه الشريفة في حجر نَفْسِهِ أمير المؤمنين صلوات الله عليه وفي بيت فاطمة صلوات الله عليها وليس كما صوّرت الأكاذيب التيمية.
بيّن الشيخ أسباب الحقد والضغن المستعر في صدر عائشة تجاه أمير المؤمنين صلوات الله عليه والصديقة فاطمة صلوات الله عليها وذريتهما المعصومين، موضحًا أن عقدة العقم ومقامات أهل البيت أججت نار الحسد لديها، ومستدلًا ببيان أمير المؤمنين صلوات الله عليه الوارد في نهج البلاغة الواصف لحالها: «وَأَمَّا فُلَانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلَى فِي صَدْرِهَا كَمَرْجَلِ الْقَيْنِ»؛ حيث أوضح الشيخ أن هذا الضغن هو الذي قاد إلى فتنة واقعة الجمل وسفك دماء الآلاف من المسلمين.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى دراسة الحديث المروي في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ونصه: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بْنَتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»؛ حيث كشف الشيخ البطلان الجوهري لهذا النص لتناقضه مع صريح الأحاديث الثابتة في صحيح البخاري نفسه التي تنص على أن «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وأنها «بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ»، مبيّنًا أن الكمال المطلق والسيادة الكبرى إنما هي لـ فاطمة الزهراء صلوات الله عليها التي فطم الخلق عن معرفتها.
سلّط الشيخ الضوء على الارتباك الشديد والعجز الذي أصاب شراح الحديث عند نقد هذا النص، مستعرضًا ما جاء في فتح الباري في شرح صحيح البخاري لـ ابن حجر العسقلاني ونقله عن اللغوي معمر بن المثنى الذي تكلف في تفسير الثريد بأنه المثرد باللحم واستشهد بأبيات شعرية ضعيفة، واصفًا الشيخ هذه الشروح بالتأويلات الركيكة والتكلفات الخنفيشارية التي تُبرز الإفلاس العلمي والهزال عند محاولة ترقيع المرويات المكذوبة على مقام النبوات والقداسة.
عقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مقارنة علمية الاحتكام فيها إلى القرآن الكريم لمعرفة المفضلات والذوق الإلهي والنبوي في الأطعمة؛ موضحًا أن الثريد -وهو الخبز المبلل بالإدام- لم يرد له أي ذكر أو تفضيل في كتاب الله، بينما عرض القرآن الموائد الإلهية والأنبياء الشاملة لـ المن والسلوى في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ومائدة عيسى المشتملة على الأسماك المشوية، وعجل إبراهيم الخليل الحنيذ في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، إضافة إلى ثمار النخل ولحم الطير وعسل النحل.
أكّد الشيخ دلالة التكريم الإلهي للحوم الشواء والغنم مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وما جاء في الكافي الشريف لـ الشيخ الكليني عن الإمام الرضا صلوات الله عليه والإمام الكاظم صلوات الله عليه بقولهما: «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا أَكْرَمَ مِنَ الضَّأْنِ لَفَدَى بِهِ إِسْمَاعِيلَ»؛ مستنتجًا أن الشواء ولحوم الضأن والطيور والأسماك هي المفضلات في الذوق الإلهي والنبوي وأذواق الأنبياء والأوصياء، وليس الثريد الذي يُعد طعامًا عربيًا عاديًا يتفاوت الناس في إقبالهم عليه.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بتقديم الخلاصة والرسالة العملية للمتابعين، مؤكدًا وجود مفاصلة عقائدية حاسمة بين مذهبين: دين الثريد القائم على مرويات السقيفة وتأويلات مذهب بني طوسي، ودين العترة الطاهرة المحفوظ في القرآن الكريم والمفسَّر بحديث أهل البيت صلوات الله عليهم؛ داعيًا المتابعين إلى عدم قبول الأقوال والآراء بغير دليل علمي قطعي، بل التثبت والبحث والاحتجام الدائم إلى منهج القرآن الكريم وميزان العترة الطاهرة صلوات الله عليهم للوصول إلى الحقائق العقائدية الناصعة.