جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 488
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 29 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 18 / 7 / 2023م
صرّح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في بداية هذه الحلقة، البالغة رقم 488 من برنامج الخاتمة، بأنها تُمثّل الجزء الرابع عشر من العنوان الكبير لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة، واستكمالاً للحديث في الأنموذج الثالث الخاص بـ سقيفة بني ساعدة تحت عنوان وحق علي المرتضى يا رسول الله إنهم كذابون كذابون كذابون وليسوا كاذبين، حيث تواصل الحلقة ما بدأه في الحلقتين المتقدمتين من التفكيك والتحليل التفصيلي لـ حديث الثريد ومناقشة أبعاده الروائية والتاريخية والنفسية.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول التفنيد العقائدي والتاريخي والنفسي للرواية المنقولة في الصحاح بشأن تفضيل عائشة، والتأكيد على أن حديث الثريد القائل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام هو حديث مفتعل ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله، مع بيان الجذور الاجتماعية والبيئية لأسرة أبي بكر وجدها أبي قحافة وظروف الفقر المتقع التي انعكست على صياغة هذا الحديث الجعلي، في مقابل الناصع من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تثبت المقام الأسمى لـ سيدة نساء العالمين فاطمة صلوات الله عليها.
استعرض الشيخ طرق نقل حديث الثريد الوارد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، ثم قارنه بما أخرجه مسلم في صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، مبيناً أن استقراء المصادر القديمة ينتهي إلى أن الصانع الحقيقي لهذه الكذبة هي عائشة نفسها، حيث أُضيفت أسانيد أخرى لاحقاً لتكثير الرواة، مؤكداً أن هذا النص المفتعل يتنافى تماماً مع الذوق القرآني والبيان النبوي الفصيح، ولا يمكن صدوره عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في مقام التفضيل والتشريف الشرعي.
تناول الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الواقع التاريخي الاجتماعي لأسرة أبي بكر، فنفد الدعاوى المدونة حول غناه ورفعة شأنه في الجاهلية، مستدلاً بما ثبت في أمّهات المصادر التاريخية مثل كتاب مثالب العرب للهشام بن الكلبي، وما نقله علماء الكلام كـ الشيخ المفيد في الإفصاح والشريف المرتضى في الشافي والشيخ الطوسي في تلخيص الشافي والسيد عبد الحسين الأميني في الغدير والسيد جعفر مرتضى العاملي في الصحيح من سيرة النبي الأعظم، من أن أبا قحافة كان رجل صياداً معدماً، ثم عمل أجيراً ينادي على طعام عبد الله بن جدعان بدرهم واحد في اليوم، ويسعى في خدمة الضيوف وطرد الذباب عن موائدهم ليأكل من فضول طعامهم.
أوضح الشيخ الدلالة اللغوية لكلمة قحافة واشتقاقها من القحف في المعاجم اللغوية الشهيرة كـ لسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروزآبادي، مشيراً إلى أن القحف في لغة العرب هو جرف ما في الإناء وشربه بشدة، وأن القحافة تعني حقيقةً بقايا الثريد وفضلاته الذائبة في المرق التي لا تُؤكل باليد بل تُجرف جرفاً وتُشرب جذباً، ومن هنا لُقب جدها بـ أبي قحافة (واسمه الأصلي عثمان) ولم يكن له ولد بهذا الاسم، بل كُني بها لكونه خادماً في دار ضيافة ابن جدعان يقتات ويُطعم عائلته من فضلات الثريد المجروفة.
عزز الشيخ عبدالحليم الغزي هذا التحليل التاريخي بالشواهد الروائية والشعرية، مقتبساً من ديوان السيد الحميري قوله في ذم هذه السلسلة: أتَرَى صَهَاكَ وَابْنَهَا وَابْنَ ابْنِهَا وَأَبَا قُحَافَةَ آكِلَ الذِبَّانِ، ومستشهداً بما رواه كتاب سليم بن قيس من خطاب أمير المؤمنين صلوات الله عليه لعمر بـ ابن أكلة الذبان، إضافة إلى ما ورد في الخطبة الطالوتية في كتاب الكافي للشيخ الكليني التي أعلن فيها أمير المؤمنين صلوات الله عليه: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي رِجَالاً يَنْصَحُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ بِعَدَدِ هَذِهِ الشِّيَاهِ لَأَزَلْتُ ابْنَ آكِلَةِ الذِبَّانِ عَنْ مُلْكِهِ؛ مما يؤكد تاريخياً أن طعام تلك العائلة كان فضلات الثريد المختلطة بالذباب المتساقط عليه.
ربط الشيخ بين هذه البيئة القاسية والحرمان الشديد وبين النشوء النفسي للحديث الجعلي؛ إذ كان الثريد المكتمل بالشحم واللحم يمثل العظمة والكمال الأعلى في المخيلة الذهنية والثقافية لعائشة منذ طفولتها في تلك العائلة المعدمة، فلما استُشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأرادت صياغة فضل لنفسها، انعكست تلك العقدة الثريدية الموروثة في اختلاق حديث يجعل فضلها كفضل الثريد، وهو ما يتنزه عنه البيان النبوي الحكيم الذي يُجلّ عن هذه السفاسف والانحطاط الأسلوبي.
بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التناقض الصارخ بين المقياس المفتعل في حديث الثريد وبين ما ثبت في ذات المصادر كـ صحيح البخاري من تصريح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، موضحاً أنه حتى لو فُرض صدور الحديث النبوي على سبيل المطايبة أو السخرية لكان استهزاءً بها، لكن الواقع أنه حديث مكذوب. واستدل الشيخ بآيات سورة التحريم التي أسقطت أي فضل مدعى لهما، كقوله تعالى: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ، وتهديدهما بالإبدال بأزواج مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تِائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً، وضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط الخائنتين ومصيرهما النار، وتأكيد ابن عباس في البخاري عن عمر أن المرأتين هما عائشة وحفصة.
فنّد الشيخ دعوى التوبة المزعومة لعائشة، مؤكداً أن خروجها الفعلي إلى البصرة وحربها لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه يُعد الدليل الميداني القاطع على عدم توبتها واستمرار تظاهرها، مع علمها التام بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله القائل: حَرْبُكَ حَرْبِي وَسِلْمُكَ سِلْمِي، وأن علياً صلوات الله عليه هو نفس النبي بموجب آية المباهلة في سورة آل عمران القائلة: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ، فكان خروجها وسفكها للدماء معصية صريحة ومحاربة جهاراً للرسالة الإلهية.
اختتم الشيخ الحلقة بالوقوف عند المظلومية التاريخية والمعاصرة لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، موجهاً نقد حاداً للمنهج الحوزوي المتمثل بمراجع النجف وكربلاء الطوسيين، الذين تركوا منهج الكتاب والعترة المفسر بتفسيرهما، وسلكوا سبيل الظلام وأفتوا بغير علم حتى وصل بهم الحال إلى الفتوى ببطلان الصلاة إذا ذُكر فيها أمير المؤمنين صلوات الله عليه، داعياً الأمة والشيعة إلى التمسك الواعي بـ إمام زماننا صلوات الله عليه والبراءة الخالصة من أئمة الضلالة والتحريف المذهبي والسقيفي.