جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 489
تاريخ البث : يوم الأربعاء 30 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 19 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه المحاضرة الحلقة الـ 489 من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة)، وهي الجزء الخامس عشر من المحور العام المسمّى "لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة"، وتأتي استكمالًا وتتمة مباشرة للحلقات المتقدمة في الخوض داخل أجواء سقيفة بني ساعدة بوصفها سقيفة التحريف والتزييف والدجل والتبديل في الدين والعقيدة، وتحت العنوان العقائدي المستمر: "وحق علي المرتضى يا رسول الله إنهم كذابون كذابون كذابون وليسوا كاذبين".
تتجسد الفكرة العامة للحلقة في كشف وتفكيك المنظومة الروائية لمدرسة السقيفة الواردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم والخاصة بالطعن في إيمان كفيل النبي صلوات الله عليه كافل الرسالة أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه والادعاء الباطل بأنه في ضحضاح من نار، ومقابلة هذه الأكاذيب بالمحكم من كتاب الله جل وعلا في سورة الضحى وسورة الشعراء، فضلًا عن الروايات الشريفة من مصادر الفريقين المتبثة لطهارة الأصلاب والأرحام التي تقلب فيها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ووصول النور الإلهي إلى عبد الله وأبي طالب صلوات الله عليهما.
عرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نماذج صريحة من الأكاذيب والافتراءات في صحيح البخاري (كتاب مناقب الأنصار - باب قصة أبي طالب) وصحيح مسلم (كتاب الإيمان - باب شفاعة النبي لأبي طالب)، حيث رُوِيَ فيها أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عما أغنى عن عمه أبي طالب صلوات الله عليه الذي كان يحوطه ويغضب له، فنُسب إلى النبي قوله: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»، وزعموا حضور النبي عند احتضاره بحضور أبي جهل وطلبه منه قوله لا إله إلا الله، وامتناع أبي طالب وموته على ملة عبد المطلب، وادعاء نزول قوله تعالى: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» وقوله: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ»، إضافة إلى المروي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس بأن أبا طالب أهون أهل النار عذابًا وهو «مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».
فَنَّدَ الشيخ هذه المرويات نقدًا عقائديًا ولغويًا ودلاليًا شديدًا، مُستغربًا كيف يُحكم بالكفر والخلود في النار على أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه الذي قام الإسلام على أكتافه وفي بيته وحمايته ونشأ الإيمان في حجره، بينما يُحكم بحسن إسلام أعتى عواهر مكة وأراذلها لمجرد الدخول الظاهري في الإسلام؛ كما أشار الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى التناقض العقائدي الجسيم لدى أصحاب السقيفة الذين لا يقرون بعذاب البرزخ وناره قبل يوم القيامة بينما ينسبون للنبي أن أبا طالب في ضحضاح من نار الآن، موضحًا أن كلمة الضحضاح في لسان العرب تُطلق أصلًا على الماء القليل المتجمع الذي يغطي الكعبين، واستعارتها للنار هنا إنما هي محاولة تزييفية متهافتة.
توجّه الشيخ إلى عرض تلك الأكاذيب على محكم القرآن الكريم لإبطالها، مستشهدًا بـ سورة الضحى المكية؛ حيث ردّ التفاسير التي ادعت انقطاع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وظن النبي أو خديجة أو أم جميل أن ربه قد ودعه أو قلاه، مؤكدًا أن النبي هو «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»، وأن عقله وقلبه يتسعان لعوالم الرحمة ومحيطان بها، وأن الوحي ليس إلا إجراءً تنظيميًا يتصل بالمظهر البشري، موضحًا أن القسم الإلهي في «وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» هو قسم بكل ثانية من وقت النبي لتأكيد دوام الاتصال والتجلي الإلهي معه ولرد افتراءات المشركين، وتأكيد أن «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى» في مراتب دعوته المتصاعدة من الغدير إلى الظهور والرجعة والدولة المحمدية العظمى.
توقف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بتأمل عميق عند قوله تعالى: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى»؛ فبَيَّنَ أنه وفق المعنى التاريخي واللغوي الظاهر فقد النبي أباه عبد الله وهو حمل في بطن أمه آمنة صلوات الله عليها، ثم توفيت أمه وله سنتان، فكفله جده عبد المطلب حتى الثامنة، ثم انتقلت الحياطة الكاملة إلى عمه أبي طالب صلوات الله عليه الذي حماه حتى رحيله، ولذا هاجر النبي بمجرد وفاته لانتهاء الحماية المكية؛ ثم بيّن الشيخ المعنى العقائدي الدقيق بأن اليتيم في كلام أهل البيت يعني «الدرّة اليتيمة» والحقيقة الفريدة التي لا نظير لها، وأن هذه الدرة الفريدة احتاجت إلى أطهر وأشرف خزانة إلهية على الأرض، المتمثلة في بيت أبي طالب وحجر فاطمة بنت أسد صلوات الله عليهما.
استدل الشيخ بالدلالة العقائدية الصريحة في الآية من خلال نسبة فعل الإيواء «فَآوَى» إلى الله تعالى مباشرة دون ذكر واسطة، مما يجعل إيواء أبي طالب صلوات الله عليه عين إيواء الله تبارك وتعالى، بخلاف إيواء الأنصار والمهاجرين في سورة الأنفال الذي نُسب إليهم في قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا»؛ واستنكر الشيخ عبدالحليم الغزي كيف يمتنّ الله تبارك وتعالى على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بالإيواء والتكريم إن كان هذا المأوى عند رجل كافر كما تزعم مرويات السقيفة؟! مؤكدًا أن الله لا يمتنّ بشرّ أو كفر، بل كان إيواء أبي طالب هو المأوى الإلهي الشريف والمكان الأعظم الذي تأسس فيه الدين بمكة.
انتقل الشيخ إلى سورة الشعراء واستدل بقوله تعالى: «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»؛ مفنّدًا التفاسير السطحية التي حصرت تقلب النبي بالحركة الفيزيائية بين المصلين في صلاة الجماعة، ومؤكدًا بروايات الفريقين أن التقلب في الساجدين هو انتقال النور المحمدي الشريف بين الأصلاب الطاهرة والآباء الساجدين؛ واستشهد الشيخ بما رواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس عن النبي: «لَمْ يَزَلِ اللهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الطَّيِّبَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ مُصَفًّى مُهَذَّبًا»، ليُبرهن على أن طهارة الإيمان والإخلاص شاملة لجميع آباء النبي وأمهاته.
دعّم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا المعنى بما رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار بأسانيده المعتبرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري وأبي ذر الغفاري رضوان الله عليهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله، من أنه خُلق هو وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه من نور واحد يُسبّحان الله يمنة العرش قبل خلق آدم بألفي عام، ثم تنقل ذلك النور في صلبه وفي السفينة مع نوح وفي النار مع إبراهيم، «فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ إِلَى أرحَامٍ طَاهِرَةٍ حَتَّى انْتَهَى بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَمَنَا بِنِصْفَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ عَبْدِ اللهِ وَجَعَلَ عَلِيًّا فِي صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ»، وهو ما يقطع بكون أبي طالب وعبد الله صلوات الله عليهما أصلابًا طاهرة زكية تحمل النور الإلهي والبركة.
خلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام المحاضرة إلى عقد مقارنة حاسمة بين أكاذيب مدرسة السقيفة في صحيح البخاري وصحيح مسلم التي تتناقض مع محكم القرآن الكريم بنسبة 100% وتطعن في حماة الرسالة الأطهار، وبين حقائق العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ومروياتها الصادقة المطابقة تمامًا للقرآن؛ وتتلخص الرسالة العملية التي يوجهها الشيخ في وجوب البراءة والفرز العقائدي التام من نهج السقيفة وتزييفها، والتسليم العقائدي المطلق بعظمة ومقام أبي طالب وفاطمة بنت أسد وآل البيت الأطهار صلوات الله عليهم، والتمسك بالدين الكامل الذي اكتمل بـ بيعة الغدير ويحفظه إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام.