جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 490
تاريخ البث : يوم الخميس 1 محرّم 1445هـ الموافق 20 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة كـ تتمة واستكمال مباشر لما أورده الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة الماضية حول إبطال وتكذيب الروايات الواردة في الكتب السنية—ولا سيما صحيح البخاري وصحيح مسلم—والتي تزعم أن كافل الرسول أبا طالب صلوات الله عليه في ضحضاح من نار، حيث يعيد الشيخ قراءة هذه الأحاديث وعرضها المباشر على القرآن الكريم لبيان تناقضها الكلي وتنافرها التام مع المضامين والمبادئ القرآنية المحكمة.
تندرج الحلقة ضمن برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة إمام زماني كهفي وحرزي وموئلي ومعتمدي)، وتحت العنوان الكبير لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة، لتشكل الجزء السادس عشر عبر تقديم الأنموذج الثالث: سقيفة بني ساعدة سقيفة التحريف والتزييف (بعد العقيدة الدرزية وحركة جهمان العتيبي)، وترتكز الفكرة العامة على تفكيك الأكاذيب المثارة حول آباء وأجداد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه، وإثبات إيمان وطهارة ودور أبي طالب صلوات الله عليه بالاعتماد الحصري على المنطق القرآني والحقائق التاريخية الكلية.
يستهل الشيخ الاستدلال القرآني بعرض الرواية على سورة الضحى في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ}، موضحًا أن خطاب الله ت تعالى لـ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يجري وفق أسلوب إياك أعني واسمعي يا جار ليريه عظيم نعمه عليه بـ الإيواء، وهذا الإيواء الالهي تم عملياً في كنف ورعاية أبي طالب صلوات الله عليه؛ فلو كان أبو طالب كافرًا أو من أهل النار كما يدّعون، لكان احتجاح الله بعظيم النعمة على نبيه غير حكيم، أو يُقال إن اليتيم هو الدرة اليتيمة التي لا نظير لها، مما يتطلب خزانة يتيمه تتناسب مع هذه الدرة، وهي شخصية أبي طالب صلوات الله عليه.
ينتقل الشيخ إلى سورة الشعراء في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}، رافضًا التفسير الشائع في كتب السقيفة بأن المراد صلاة الجماعة، ومستشهدًا بـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور لـ السيوطي وبـ معاني الأخبار لـ الشيخ الصدوق لإثبات أن الساجدين هم الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة لأجداد النبي؛ وبما أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو نفس النبي بنص آية المباهلة في سورة آل عمران: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} وله مقام هارون من موسى بنص سورة طه: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}، فإن ما ثبت لـ رسول الله صلى الله عليه وآله من التقلب بين الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة ثابتٌ لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو دليل قطعي على طهارة وإيمان أبيه أبي طالب صلوات الله عليه.
يصل الشيخ إلى التأسيس لـ قاعدة الإمامة من سورة البقرة في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، مبينًا أن ذرية إبراهيم تنقسم إلى قسمين: ظالمون وطاهرون، وأن عهد الإمامة محصورٌ حصرًا في الطاهرين من ذريتك؛ ومن ثم فإن الأحاديث الواردة بـ الأئمة من قريش يجب تقييدها بـ القاعدة القرآنية، بحيث تتجه الإمامة إلى الفرع الطاهر والفاخر من قريش دون الظالمين، لأن الطاهرين المميزين قليلون بسنة الحياة وقوانين الدنيا.
يثبت الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن المعطيات التاريخية والعقلية تشخص هذا الفرع الطاهر في بني هاشم وتحديدًا في شخصية عبد المطلب الذي لم يكن لـ هاشم ولدٌ غيره واسمه الحقيقي شيبة الحمد، وقد انتقلت هذه السيادة والتميز إلى ابنه أبي طالب صلوات الله عليه، ومن هذه المجموعة الفاخرة، واستجابة لدعاء إبراهيم وإسماعيل في سورة البقرة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}، خرجت الدرتان الإلهيتان: النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه.
يستعرض الشيخ القاعدة الإبراهيمية في سورة إبراهيم: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، متوقفًا عند قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}، ومفرقًا بين ثمرات الأشجار المذكورة في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (وهي ثمار الطائف الجلبية) وبين ثمرات القلوب المذكورة في سورة إبراهيم، موضحًا عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أن مرادها ثمرات القلوب المتمثلة في المودة في القربى كما في سورة الشورى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}، حيث يمثل الآل الشجرة الطيبة المباركة في سورة إبراهيم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}.
يعود الشيخ لنقض ما جاء في صحيح البخاري (كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب) بسنده عن العباس بن عبد المطلب وزعمه أن النبي قال عن أبي طالب: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، مؤكدًا أن هذا الحديث كذب وافتراء يناقض القرآن، ومستغلًا المناسبة للتحذير من الصلاة البتراء التي تُسقط الآل، واصفًا إياها بأنها قطعٌ لأجر الرسالة وداخلة في عموم الحديث الشريف: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَنَعَ الأَجِيرَ أَجْرَهُ».
يشرح الشيخ الواقع التاريخي ودور أبي طالب صلوات الله عليه المزدوج؛ ففي مرحلة ما قبل البعثة تولى بناء الشخصية الاجتماعية الإعلامية لـ رسول الله صلى الله عليه وآله ووظف شعره ومكانته لترسيخ لقبه بـ الصادق الأمين، وفي مرحلة ما بعد البعثة وفر لـ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله الحصانة المادية والمعنوية الكاملة، ونحت حياته وأسرته الصغيرة والكبيرة لحمايته، وكان يوقظ نبيه ليلاً ليجعله ينام في فراش أمير المؤمنين صلوات الله عليه أو جعفر الطيار لحمايته من الاغتيال، حتى انقضاء الحصار في شعب أبي طالب.
يستشهد الشيخ بشواهد من تراث العترة الشريفة في كتاب مفاتيح الجنان مقارنةً بروايات البخاري، فينقل من زيارة النبي من البعد: «الَّذِي غَمَسْتَهُ فِي بَحْرِ الْفَضِيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْجَلِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَرْتَبَةِ الْخَطِيرَةِ، وَأَوْدَعْتَهُ الأَصْلَابَ الطَّاهِرَةَ وَنَقَلْتَهُ مِنْهَا إِلَى الأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ... وَوَكَلْتَ لِصَوْنِهِ وَحِرَاسَتِهِ وَحِفْظِهِ وَحِيَاطَتِهِ مِنْ قُدْرَتِكَ عَيْنًا عَاصِمَةً»، مبيناً أن أبا طالب هو التجلي العملي لـ العين العاصمة، ويذكر نصوص زيارة وارث وزيارة أئمة البقيع: «أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُورًا فِي الأَصْلَابِ الشَّامِخَةِ وَالأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ»، ويختم بـ زيارة فاطمة بنت أسد صلوات الله عليها: «السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا كَافِلَةَ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ...» لبيان إجماع العترة على طهارة هذا البيت وإيمانه.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بتوجيه رسالة عملية إلى الشباب السني الباحث عن الحقيقة لدعوتهم إلى تحكيم العقل والتدبر في القرآن الكريم ومقارنته بمنطق العترة الطاهرة مقابل مرويات البخاري، مجددًا التبرؤ من المناهج المنحرفة ومقدمًا أزكى التحيات والسلام لـ سيد البطحاء أبي طالب وفاطمة بنت أسد صلوات الله عليهما، ومبتهلاً إلى الله بـ شفاء صدر الحسين صلوات الله عليه بظهور إمام زماننا صلوات الله عليه (الحجة بن الحسن عليه السلام).