جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 493
تاريخ البث : يوم الأحد 4 محرّم 1445هـ الموافق 23 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة بوصفها الجزء التاسع عشر من الحديث عن النموذج الثالث من نماذج لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، وهو النموذج المتمثل في سقيفة بني ساعدة. وتُعد هذه الحلقة استكمالًا وتتمة لما شُرع فيه في الحلقة السابقة من نقض الأكاذيب والمهازل العقائدية والفقهية المسندة صوريًا إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، ولا سيما التفنيد المباشر لأكذوبة الاجتهاد وأكذوبة لا نورث ما تركناه صدقة المفتراتين لتأسيس منهج دين السقيفة.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول كشف التحريف الديني والتزييف العقائدي المؤسسي الذي أحدثته سقيفة بني ساعدة وتحويل الدين الإلهي إلى أضحوكة ومهزلة بشرية. وينطلق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لبيان أن هذا الكذب ليس مجرد افتراء فردي عابر، بل هو كذب مؤسسي قامت عليه مؤسسة دين السقيفة وأنتجت تراثًا وفقهًا قائمًا على مخالفة القرآن الكريم والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم. كما يوضح الشيخ أن هذا المسار المنحرف امتدت آثاره إلى الواقع الشيعي عبر المذهب الطوسي ومراجع النجف وكربلاء الذين تركوا علوم آل محمد واعتمدوا قواعد وأصول مخالفي أهل البيت عليهم السلام.
يتناول الشيخ بالتحليل والنقد الحديث المنسوب إلى عمرو بن العاص في صحيح البخاري: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ويبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي سقوط هذا الحديث من ثلاثة وجوه رئيسية: أولها المضمون المتناقض كليًا مع القرآن الكريم الذي هو ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، إذ لا يدع القرآن مساحة للاجتهاد الظني، بل أوكل تبيانه الحقيقي إلى الراسخين في العلم وهم العترة الطاهرة صلوات الله عليهم؛ وثانيها الركاكة اللغوية والبلاغية في التركيب الذي يجعل الاجتهاد بعد صدور الحكم لا قبله، وهو ما يتنزه عنه أفصح من نطق بالضاد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ وثالثها كذب دعوى السماع المباشر من الراوي المنافق.
يستشهد الشيخ بالآية الكريمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ويورد الرواية المروية في الكافي الشريف عن الإمام الباقر صلوات الله عليه في تفسيرها حيث قال: «ذَاكَ وَاللهِ حِينَ قَالَتِ الأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ». ويوضح الشيخ أن قسم الإمام الباقر عليه السلام هنا جاء لتأكيد عظمة الأمر ولفت الأنظار إلى أن نقطة انطلاق الفساد الشامل والتحريف المؤسسي في الأمة بدأت حقيقتها من لحظة الانحراف في سقيفة بني ساعدة والتأسيس لقيادة غير معصومة.
ينتقل الشيخ إلى استعراض حديث الحوض الوارد في صحيح البخاري برواية أبي هريرة، والذي يقرّ فيه الراوي بارتداد أغلب الصحابة على أعقابهم القهقرى وأخذهم إلى النار، وأنه لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم. ويربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا المعنى بالنص الأصلي لـ حديث الرايات الخمس (الأربع الهالكة وواحدة هي راية الحق بقيادة أمير المؤمنين صلوات الله عليه)، مستشهدًا بأبيات السيد الحميري في قصيدته الشهيرة «لأمّ عمرو باللواء مربّع» التي تقول: «فَالنَّاسُ يَوْمَ الحَشْرِ رَايَاتُهُمُ خَمْسٌ فَمِنْهُمْ هَالِكٌ أَرْبَعُ ... وَرَايَةٌ قَائِدُهَا وَجْهُهُ كَأَنَّهُ الشَّمْسُ إِذَا تَطْلُعُ»، مؤكدًا أن أصل الواقعة متسالم عليه في المصادر مع محاولات التحريف والتعتيم.
يوضح الشيخ خطورة امتداد الفكر السقيفي إلى الداخل الشيعي عبر سقيفة بني طوسي والمراجع النصابين الذين وصفهم الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه في تفسيره ونقله عن الإمام الصادق عليه السلام بأنهم «أَضَرُّ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ جَيْشِ يَزِيدَ عَلَى الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ». كما يورد حديث الإمام الرضا صلوات الله عليه في صفات الشيعة: «إِنَّ مِمَّنْ يَتَّخِذُ مَوَدَّتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَمَنْ هُوَ أَشَدُّ فِتْنَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنَ الدَّجَّالِ»، مبينًا أن خطورة هؤلاء المراجع تكمن في أخذ الدين من غير العترة الطاهرة وتضييع وصية أمير المؤمنين عليه السلام لكُميل بن زياد: «يَا كُمَيْلُ لا تَأْخُذْ إِلا عَنَّا تَكُنْ مِنَّا».
يرسم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لوحة تاريخية متكاملة لخطوات التآمر المنظم، يبدؤها بـ الصحيفة الملعونة المذكورة في الكافي الشريف عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، حيث كتب أصحاب الصحيفة بينهم ألا تكون الخلافة في بني هاشم. ثم يتبعها بمحاولة اغتيال النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في عقبة تبوك بدحرجة الدباب تحت أقدام ناقته، وهو التفصيل المذكور في الأدعية والزيارات بعبارة «وَدِبَابٍ دَحْرَجُوهَا»، والوارد أيضًا في المصادر العامة ككتاب المحلى لـ ابن حزم الأندلسي بروايات حذيفة بن اليمان.
يواصل الشيخ استعراض التآمر بالإشارة إلى تسميم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قبل وفاته وفق ما رواه العياشي في تفسيره عن الإمام الصادق عليه السلام تعقيبًا على قوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. ويبين الشيخ أن هذا الجرم يُفسر السلوك العنيف في رزية الخميس والوقاحة في القول: «إن النبي غلبه الوجع / يهجر» وحسبنا كتاب الله، كما يربط ذلك بالتحذير الشديد الموجه لـ عائشة وحفصة في سورة التحريم: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، مؤكدًا أن الحشد الإلهي المعروض في الآية لا يكون لحدث أسري بسيط بل لمؤامرة خطيرة تمس حياة الرسول والإمامة.
ينقل الشيخ معالم الانقلاب الميداني بعد وفاة الرسول الأعظم، حيث يستشهد بـ تاريخ الطبري في مجيء قبيلة أسلم الأعرابية المرتزقة وسدها لسكك المدينة لإجبار الناس على البيعة قسرًا، وقول عمر: «ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر». كما يذكر ما رواه البراء بن عازب في كتاب الاحتجاج من طواف أصحاب السقيفة بالأزر الصنعانية وخبط الناس ومدهم أيدي الناس للبيعة كرهًا، ثم مهاجمة بيت فاطمة صلوات الله عليها وتهديده بالحرق، يعقبه توزيع الأموال والرشى كما ورد في الطبقات الكبرى لـ ابن سعد لإسكات الناس وشراء دينهم.
يسلط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على الجانب المالي والعقاري للانقلاب السقيفي، بمقاطعة مصادرة حق الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في فدك والنحلة النبوية، في مقابل إقطاع البساتين والقطائع في البحرين لـ عائشة وتمليكها بيت رسول الله غصبًا وتعديًا، كما تثبته نصوص الطبقات الكبرى وصحيح البخاري في استئذان عمر منها بالدفن مع صاحبيه. ويقارن الشيخ بين الفقر الشديد لرجالات السقيفة قبل الفتوح وبين الثراء الفاحش والسيطرة غير الشرعية على أموال الأمة وممتلكات العترة الطاهرة بعدها.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بربط أجزاء اللوحة التاريخية بالرسالة العملية؛ مؤكدًا أن جميع هذه الحلقات والانحرافات متصلة ببعضها بعهد مباشر: «إِذَا كُتِبَ الكِتَابُ قُتِلَ الحُسَيْنُ»، وأن مظلومية الإمام الحسين صلوات الله عليه في كربلاء إنما أُسس لها يوم السقيفة. ويؤكد الشيخ ختامًا أنه يمارس تكليفه الشرعي وأداء أمانته المعرفية في تنوير الزهراويين وكشف التزييف المؤسسي لسقيفتي بني ساعدة وبني طوسي على حد سواء، غير أبهٍ بالخذلان أو جمود الواقع الشيعي، داعياً إلى التمسك المطلق بـ الكتاب والعترة والولاء لـ إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام.