جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 494
تاريخ البث : يوم الإثنين 5 محرّم 1445هـ الموافق 24 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة التاسعة والأربعون بعد أربعمائة من برنامج الخاتمة، والمتمثلة بالجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة والجزء العشرين من العنوان الكبير لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي حولت الدين إلى مهزلة وجعلت من المتدينين به مسخرة، كاستكمال مباشر ومواصلة للبحث في الأنموذج الثالث من نماذج التزييف الإبليسي، وهو سقيفة بني ساعدة بوصفها سقيفة التحريف والتزييف. وتُعدّ هذه المحاضرة امتداداً لما عُرِض في الحلقات المتقدمة من كشف الأكاذيب والتحريفات الواقعة في كتب الحديث والمصادر السنية وعلى رأسها صحيح البخاري، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نقد مرويات الحديث ورجاله وعلماء الرجال بالاستناد المباشر إلى محكمات القرآن الكريم.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول كشف التحريف والتزييف الصارخ الذي طرأ على أحاديث الأئمة الاثني عشر في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسائر الصحاح والجوامع الحديثية السنية، من خلال إبدال كلمة إمام بـ أمير أو خليفة وتغيير بني هاشم إلى قريش لتطبيق الحديث على حكام السقيفة وبني أمية. ويستعرض الشيخ المقارنة بين هذه المرويات المحرفة وبين المنطق القرآني الذي يجعل الإمامة مقاماً دينياً وعِلماً إلهياً لا مجرد سلطة سياسية دنيوية، مع بيان الامتداد التاريخي لهذا التحريف الإبليسي ليصل إلى النصوص التوراتية العبرية في سفر التكوين، ومقابلة ذلك بتبيان سلاسل الإمامة الإبراهيمية الإسماعيلية وحقيقة الكلمات وسلسلة الأئمة الأربعة عشر كما تتجلى في ثقافة العترة الطاهرة.
في المحور التفصيلي الأول، يعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أنموذجاً صارخاً للتحريف والتدليس من كتاب الأحكام في صحيح البخاري، وتحديداً في الباب الثاني الذي تُرِك بلا عنوان بغرض التضليل والتجهيل، حيث أورد البخاري حديثاً واحداً برقمين 7222 و7223 عن جابر بن سمرة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي إنه قال كلهم من قريش. وينبّه الشيخ إلى أن أصل الحديث الصادر عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هو: يكون بعدي اثنا عشر إماماً كلهم من بني هاشم، غير أن أيدي التحريف أبدلت كلمة إمام بـ أمير لتجريد المطلب من بعده الديني وتحويله إلى السلطة السياسية، وأبدلت بني هاشم بـ قريش ليتوافق مع المبنى الذي أُسست عليه خلافة السقيفة بمنطقها الخاطئ الذي احتج بـ الشجرة وأعرض عن الثمرة.
ويتابع الشيخ في المحور الثاني تفكيك الشروح والتأويلات المتكلفة التي قدمها علماء أهل السنة للتغطية على هذا التناقض، مسلطاً الضوء على ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الإمارة تحت باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. ويستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي موقف كبار الشراح؛ كـ النووي في شرحه لـ صحيح مسلم الذي عجز عن تفسير العدد ورجّح احتمالات متهافتة تتحدث عن "مستحقي الخلافة العادلين"، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري الذي حَمَل العبارة على التوالي الزمني من أبي بكر إلى عمر بن عبد العزيز مع إسقاط معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم لإقحام يزيد بن معاوية وبني أمية داخل السلسلة. ويقابل الشيخ هذا الهراء بما أورده الحافظ القندوزي الحنفي في ينابيع المودة بلفظ صريح: كلهم من بني هاشم، مؤكداً أن انتشار المضمون في مسند أحمد بن حنبل وكنز العمال للمتقي الهندي يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يضخ هذا الحق بشكل واسع فلم يستطيعوا محوه بل حرفوه.
وفي المحور الثالث، يحاكم الشيخ هذه المرويات والتأويلات إلى محكمات الكتاب الكريم، موضحاً أن القرآن الكريم لم يجعل الأولوية والمحورية للشأن السياسي والحكومة الدنيوية، بل جعل الأصل والمحور لـ إمامة الدين والعلوم الإلهية وإمامة الكتاب والتأويل كما في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، بينما تأتي السياسة والسلطة في حواشي المطلب وتفرعاته. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن رسول الله صلى الله عليه وآله يصدر عن منطق القرآن، فحينما ربط بقاء الإسلام واستقامته بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، كان يتحدث بلسان الآية الشريفة في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وهي إشارة صريحة إلى بيعة الغدير وولاية علي صلوات الله عليه بصفتهما أمراً دينياً محضاً لو أُهمل لتساوت الرسالة كلها بالصفر.
ويتطرق الشيخ في المحور الرابع إلى قانون الحشر القرآني المبيّن في سورة الإسراء: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، موضحاً أن التعبير جاء بـ بإمامهم وليس "مع إمامهم"، مما يعني وجود رمز ديني وعلامة انتماء منطبعة في حقيقة كل إنسان يُعرف بها يوم القيامة. ويوضح الشيخ أن القرآن الكريم قَسَّم الأئمة إلى نوعين: أئمة الشر والضلال كـ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ في سورة التوبة وأَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ في سورة القصص، وأئمة الهدى والخير المذكورين في سورة الأنبياء وسورة السجدة: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا. ويستشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي برواية أمير المؤمنين صلوات الله عليه حين أخبر عن الذين بايعوا الضب في الصحراء سراً بأنهم سيُحشرون يوم القيامة وإمامهم الضب، لتأكيد أن المدار في الحشر إنما هو الانتماء إلى إمام الدين لا الحاكم السياسي.
ويواصل الشيخ في المحور الخامس ربط المنظومة الإمامية بـ العهد الإبراهيمي الإسماعيلي المذكور في سورة البقرة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. ويكشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عن التحريف المماثل الواقع في النص التوراتي العبري في سفر التكوين في حق إسماعيل عليه السلام: أثمره وأكثره كثيراً جداً اثني عشر رئيساً يلد؛ حيث يبيّن أن الكلمة العبرية الأصلية هي شنيم عسار نسي، وأن كلمة ناسي العبرية تعني في أصلها اللغوي إماماً، لكن المترجمين حرّفوها إلى رئيساً بنفس النهج الشيطاني الإبليسي الذي حوّل إماماً إلى أمير في الصحاح. كما يبيّن أن الإمامة جرت في الصفوة الطاهرة والذرية المنتخبة عبر الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة من ولد إسماعيل وليس في عموم قريش التي اختلطت بأنساب الجاهلية.
وفي المحور السادس، تفصل الحلقة الكلام في تنوع سلاسل الإمامة في ثقافة أهل البيت عليهم السلام، مبيناً وجود سلسلة الإمامة الكبرى وهي سلسلة الأئمة الأربعة عشر المبتدئة بـ رسول الله صلى الله عليه وآله والصديقة الكبرى فاطمة صلوات الله عليها وأمير المؤمنين صلوات الله عليه والآل الأطهار، وتتفرع عنها سلسلة الإمامة الصغرى المتشكلة من الأئمة الاثني عشر التي تحدثت عنها الأحاديث، إضافة إلى سلاسل أصحاب الكساء، وأئمة الأئمة، والعترة من ولد الحسين عليهم السلام. ويستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التأويل الشريف لآيات سورة الفجر: وَالْفَجْرِ هو إمام زماننا صلوات الله عليه، وَلَيَالٍ عَشْرٍ هم الأئمة من الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه إلى الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه، وَالشَّفْعِ هما علي وفاطمة صلوات الله عليهما، وَالْوَتْرِ هو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، موضحاً مقابلة الكتاب الصامت: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ بـ الكتاب الناطق: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.
ويقف الشيخ في المحور السابع عند حقيقة الكلمات، مبيناً أن الكلمات التي تلقاها آدم صلوات الله عليه في قول الله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، هي الأسماء الخمسة المقدسة التي نزل بها جبرائيل: يا محمود بحق محمد، ويا عالي بحق علي، ويا فاطر بحق فاطمة، ويا محسن بحق الحسن، ويا قديم الإحسان بحق الحسين. ويربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بين هذا المعنى وبين قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، مستشهداً بحديث الإمام الصادق عليه السلام الذي بَيَّن فيه أن إبراهيم أتمّ تلك الكلمات بـ إمام زماننا صلوات الله عليه إلى الإمام الرابع عشر، مؤكداً أن اعتقاد إبراهيم الخليل صلوات الله عليه بإمامة الصديقة الكبرى فاطمة صلوات الله عليها وبسلسلة الأئمة الأربعة عشر كان الشرط الإلهي لنيله مقام الإمامة.
وفي الخلاصة والرسالة العملية التي ختم بها الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة، ينتهي إلى دعوة شيعة أهل البيت عليهم السلام والمستبصرين إلى التحرر الكامل من ثقافة التزييف والتعليم الحوزوي السائد في النجف وكربلاء الذي يصفه بالابتعاد عن حقائق الدين وتهميش إمامة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها. وتتجلى الرسالة العملية الختامية في ضرورة العودة المباشرة إلى ثقافة العترة الطاهرة واستقاء العقيدة الصافية من القرآن الكريم وتأويل أهل البيت عليهم السلام، والاعتقاد الجازم بـ سلسلة الأئمة الأربعة عشر والتوسل بأنوارهم الشريفة بوصفهم الكتاب الناطق وحبل الله المتين والسبيل الوحيد للنجاة من ألاعيب إبليس وسقائف التحريف في الدنيا والآخرة.