جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 495
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 6 محرّم 1445هـ الموافق 25 / 7 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة الخامسة والتسعون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (صولة القمر 115)، استكمالاً وتتمةً لما تقدّم في الحلقات الماضية ضمن الجزء الحادي والعشرين من مطلب لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحديث في النموذج الثالث من نماذج لعبة إبليس والمتمثل بـ سقيفة بني ساعدة، متناولاً بالبحث والتحليل ما جاء في الباب الثاني والخمسين من كتاب الأحكام في صحيح البخاري.
تتجسد الفكرة العامة للحلقة في كشف آليات التحريف والتزييف التي مارسها علماء مدرسة السقيفة مع حديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله المروي في كتبهم بخصوص الأئمة أو الخلفاء الاثني عشر، حيث أفرغوا الحديث من مضمونه الأصلي وحوّلوه لصالح السلاطين والحكام كالوليد ويزيد بن معاوية، في مقابل تقديم الرؤية القرآنية الشاملة لـ منظومة الإمامة بوصفها حقيقة كونية وضرورة تكوينية لا تنفك عن الوجود الإنساني في الدنيا والآخرة، وتتوج بمقام أهل البيت صلوات الله عليهم وبـ حب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بوصفه البصمة التكوينية لعنوان صحيفة المؤمن.
تناول الشيخ بالتحليل الناقد الحديث المذكور في صحيح البخاري برواية جابر بن سمرة والذي جاء فيه: «يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي إنه قال كلهم من قريش»، مشيراً إلى أن هذا النص معرّض لعملية إسقاط وتغيير متعمد لعنوان الباب ولألفاظ الحديث؛ حيث حُرّفت كلمة إماماً إلى أميراً، وقُطعت جملة من بني هاشم واستُبدلت بحكاية عدم سماع الراوي للكلمة للتشويش على المتلقي وإقطاع الحديث عن أصله النبوي الصريح: «يكون بعدي اثنا عشر إماماً من بني هاشم».
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التخبط والارتباك الكبيرين لدى شُراح الحديث من علماء مدرسة السقيفة، كـ النووي في شرح صحيح مسلم وابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري؛ إذ عجزوا عن تقديم حصر منطقي للاثني عشر خليفة، ولجأوا إلى إدخال بني أمية كمعاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده والوليد بن يزيد ضمن القائمة، مع استبعاد الإمام الحسن صلوات الله عليه والاضطراب في تطبيق معيار اجتماع الناس أو طول مدة الحكم، مما عكس تهافت أصولهم التفسيرية والروائية.
سلّط الشيخ الضوء على الحقيقة التاريخية والأخلاقية ليزيد بن معاوية كما وُثقت في المصادر القديمة لمدرسة السقيفة نفسها، وفي مقدمتها كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد؛ حيث أورد شهادات صريحة من الصحابة وأبنائهم كمعقل بن سنان وعبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة في واقعة الحرة، أجمعوا فيها على أن يزيد كان يشرب الخمر وينكح المحارم ويدع الصلاة، متسائلاً كيف يُعدّ أمثال هؤلاء المفسدين من الأئمة والخلفاء الذين يُحفظ بهم الدين ويُبشر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله.
عقد الشيخ مقارنة بين التحريف الواقع في الحديث الشريف وبين ما جرى في الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى في سفر التكوين بخصوص البشارة بإسماعيل عليه السلام وأنه يلد اثني عشر رئيساً (وهي بـ العبرية: نسيئيم أي أئمة)، مبنياً كيف حرّف المترجمون المفهوم وزعموا أن منطقة فاران هي في بلاد الشام بدلاً من جزيرة العرب، لتأكيد أن المنهج الشيطاني في التزييف العقائدي والتحريف الديني هو منهج واحد ومتطابق عبر العصور.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى بيان المفهوم القرآني الأصيل لـ الإمامة، مؤكداً أنها ليست مجرد شأن سياسي أو حكم دنيوي، بل هي نظام تكويني شامل يرافق الإنسان حتى القيامة، واستشهد بقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}، وقوله سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا}؛ موضحاً أن القراءة يوم القيامة قراءة تكوينية للبصيرة والروح، وأن كل إنسان يبعث مع الإمام الذي ارتبط به واختاره لنفسه في دار الدنيا.
فصّل الشيخ المنظومة الإبراهيمية للإمامة بشقيها المذكورين في القرآن الكريم؛ المنظومة الفرعية الإسحاقية الإسرائيلية في سورة الأنبياء: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّاجَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}، والمنظومة الأصلية الإسماعيلية المذكورة في سورة البقرة: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، والتي تتجلى بأعلى مراتبها في رسول الله صلى الله عليه وآله وفي الأئمة الأربعة عشر صلوات الله عليهم الذين لهم الهيمنة المطلقة والفيض التكويني على جميع العوالم.
استدل الشيخ على المقام التكويني للأوصياء بقراءة أمير المؤمنين صلوات الله عليه لآية سورة هود: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً}، مبيناً أن الشاهد الذي يتلو رسول الله صلى الله عليه وآله هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه الموصوف بالإمامة والرحمة، وهو نفسه الهادي المشار إليه في سورة الرعد: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، متطابقاً مع مفهوم الشراكة والوزارة في قوله تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}.
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي دلالة لسان صدق علياً الوارد في القرآن الكريم بسورة الشعراء وفي سورة مريم: {وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا}، ومطابقته التامة لما جاء في دعاء الندبة الشريف المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه: «وجعلت ذلك عليّاً»، مؤكداً أن مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يمثل اللسان الصدق الذي هيمن على كافة الرسالات والنبوات السابقة، وكان معه العون الباطني للأنبياء والظاهري لرسول الله صلى الله عليه وآله.
قرر الشيخ الشمول الكوني المطلق لـ منظومة الإمامة بناءً على القاعدة الكلية الصريحة في أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم: الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، واستدلالاً بقوله تعالى في سورة يس: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} وبما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة؛ مبيناً أن الإمامة تستوعب عوالم الغيب والشهادة وأصل التكوين وما بعد الفناء، وهي المركز الذي تُحصى فيه جميع الحقائق والوجودات.
خلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام الحلقة إلى أن المرويات والشروح المذكورة في كتب مدرسة السقيفة كـ صحيح البخاري وصحيح مسلم قد بُنيت على التحريف والتزييف والعداء للعترة الطاهرة، وتعارض القرآن الكريم ومنهج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين وبيعة الغدير تعارضاً تاماً بنسبة مئة بالمئة، مؤكداً أن الرسالة العملية التي يجب أن ينتهي إليها المؤمن هي التمسك بـ منظومة الإمامة الحقّة، وأن البصمة السرية والعنوان الحقيقي لصحيفة المؤمن يوم القيامة هو حب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عملاً بقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}.