جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 497
تاريخ البث : يوم الخميس 8 محرّم 1445هـ الموافق 27 / 7 / 2023م
تُمثّل هذه المحاضرةُ استكمالًا وتتمةً لـ الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، وهي الجزء الثالث والعشرون والأخير تحت العنوان الرئيسي لعبة إبليس في التحريف الديني والتزييف العقائدي ضمن برنامج الخاتمة (الحلقة 497). ويواصل فيها الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحديثَ في النموذج الثالث من نماذج لعبة إبليس، وهو سقيفة بني ساعدة، تحت العنوان الفرعي الممتد من الحلقات السابقة: وحق علي المرتضى يا رسول الله إنهم كذابون كذابون كذابون وليسوا كاذبين، حيث يركّز على كشف التزييف والأكاذيب الواردة في صحيح البخاري وروايات التابعين والصحابة ومرويات المدرسة الطوسية الشافعية المعتزلية المرجئية البترية في النجف وكربلاء.
يقوم المحور الأساسي لهذه الحلقة على إجراء مقارنة قرآنية بين سلسلة العترة الطاهرة التي تبدأ بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وسلسلة السقيفة التي تبدأ بأبي بكر، وذلك لتفنيد ما حرّفه البخاري في كتاب الأحكام من حديث يكون بعدي اثنا عشر أميرًا كلهم من قريش بديلًا عن الأصل الشريف يكون بعدي اثنا عشر إمامًا كلهم من بني هاشم. ويعتمد الشيخ على القرآن الكريم كـ قاعدة معلومات حاسمة ومطلقة تجسّد الحقائق وتكشف التفاوت الشاسع بين مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبين الصحابة، مؤكدًا أنه لا وجه للمقارنة في الحقيقة إلا لغرض إقامة الحجة وتبين المطالب وتوضيح الحقائق للباحثين عن الحق.
يبدأ الشيخ المقارنة القرآنية بالوقوف عند آية المباهلة {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، باعتبارها لقطة قرآنية محمدية علوية بامتياز توجّب اتحاد نفس علي بنفْس رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي المقابل، يستعرض آية الغار {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}، مبيّنًا أن الآية خلت تمامًا من أي مدح لأبي بكر؛ إذ خصّت السكينة بـ رسول الله صلى الله عليه وآله وحده دون صاحبه، بخلاف المواضع الأخرى التي نزلت فيها السكينة على المؤمنين الثابتين، مما يثبت تجريده من الفضل والمدح ويشكل قدحًا صريحًا به.
ينقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحديث إلى اللقطة القرآنية الثانية في سورة الأحزاب عند قوله تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}، محتجًا بما أخرجه علماء السنة كـ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور بسندهم عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ في مصحفه على عهد النبي: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَلِيٍّ}. ويوضح الشيخ أن القوة والعزة الإلهية تجلت بصورة مباشرة في شخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه حين برز لعمرو بن عبد ود العامري بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله، فحسم المعركة وهزم جيش الأحزاب نفسيًا وعسكريًا.
ويرسم الشيخ المشهد الميداني لمعركة الخندق والظروف العصيبة التي أحاطت بالمسلمين كما صورها القرآن الكريم {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}، حيث استولى الخوف والرعب الكاسح على الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر حين اقتحم الخندق الفارسُ المشرك عمرو بن عبد ود العامري. وبينما أطرق الجميع رؤوسهم ونكسوها خفيةً ورعبًا رغم تكرار رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة للبراز وضمان الجنة لمن يخرج له، انبرى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ببطولة وثبات في كل مرة قائلاً: أنا له يا رسول الله، فخرج إليه وجدّله قتيلاً واحتزّ رأسه، وكفى الله المؤمنين القتال بفروسيته وإيمانه.
ثم يقف الشيخ عند اللقطة القرآنية الثالثة في سورة الأحزاب عند قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، متوقّفًا عند عبق محمد وآل محمد الذي يفوح منها. ويستشهد الشيخ بما أخرجه البخاري نفسه في كتاب تفسير القرآن من حديث كعب بن عجرة حين سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن كيفية الصلاة عليه، فأمرهم أن يقولوا اللهم صل على محمد وآل محمد، مؤكدًا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه هو سيد الآل وهو الشاهد المباشر الذي يتلو النبي بغير فاصل، وأن الله جل وعلا أوجب مقرونية الصلاة على علي وآله مع الصلاة على نبيه الأعظم.
وفضلًا عن ذلك، يقابل الشيخ مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالصورة التي رسمتها سورة الحجرات للصحابة وبخاصة أبي بكر وعمر في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} و**{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}** و**{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}**. ويستند الشيخ إلى ما رواه البخاري في تفسير السورة وفي كتاب الأدب من رفع أصواتهما بين يدي النبي، وتجمهر الصحابة وتحصيبهم باب بيته صلى الله عليه وآله بالحجارة في منتصف الليل، مما يكشف عن انعدام الأدب واللياقة وتخلفهم عن الامتحان الإلهي للتقوى، وصولاً إلى حبوط أعمالهم كما صرّحت الآيات الكريمة.
وفي الانتقالة التاريخية الدقيقة أواخر حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، يوازِنُ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بين موقف أمير المؤمنين صلوات الله عليه وموقف أقطاب السقيفة؛ حيث ينقل من نهج البلاغة كلام أمير المؤمنين في تأبين الصديقة الطاهرة فاطمة صلوات الله عليها ومناجاته للرسول فَلَقَدْ وَاسَيْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِك، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ ردًا على أكاذيب عائشة المروية في الصحيحين. وفي المقابل، يُبرز الشيخ موقِفَ الصحابة وأبي بكر وعمر في رزية الخميس كما وثقها البخاري في كتاب العلم حين قال عمر إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا وشجّر النزاع واللغط، فطردهم رسول الله صلى الله عليه وآله من محضره كما طرد اللهُ إبليسَ لما رفض الخضوع لآدم.
ويستدلّ الشيخ بـ آية الإبلاغ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} وآية إكمال الدين {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}، ناقلاً من الدر المنثور لـ السيوطي الشافعي عن أبي سعيد الخدري وابن مسعود وأبي هريرة أن هاتين الآيتين نزلتا يوم غدير خم في ولاية علي بن أبي طالب، وأن النبي لما نادى له بالولاية أُكمل الدين وتمت النعمة. ويوضح الشيخ أن بيعة الغدير جعلت الولاية كفة والتوحيد والرسالة في كفة، وأن الدين بغير ولاية أمير المؤمنين يساوي صفرًا، وأن نكاثها قد حكم القرآن بكفرهم وردتهم على الأدبار.
ويُبرز الشيخ جوهر الأدب والتسليم المطلق لدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه باستشهاده برواية تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه في واقعة مبيت علي على فراش النبي ليلة الهجرة؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي أراضيت أن تُطلب فلا أوجد وتوجد أنت في مكاني فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟ فأجاب أمير المؤمنين بالخضوع والفناء التام: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِيتُ أَنْ تَكُونَ رُوحِي لِرُوحِكَ وِقَاءً وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ فِدَاءً... وَهَلْ أُحِبُّ الْحَيَاةَ إِلا لِخِدْمَتِكَ، مؤكدًا استعداده ليكون فداءً حتى لحيوان يركبه الرسول، وهو المنطق النوراني الواحد الذي يمتد لقول الإمام الصادق صلوات الله عليه عن إمام زماننا صلوات الله عليه لو أدركته لخدمته أيام حياتي.
ويختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان الرسالة العملية والخلاصة الكلية، مؤكدًا أن الدين الحق لا يُبنى على الأسانيد الشيطانية وقذارات ما يُسمى بـ علم الرجال وعلم الكلام وعلم أصول الفقه ولا على مرويات صحيح البخاري وصحيح مسلم المليئة بالتحريف والتزييف والدجل. بل إن الدين القويم والمنهج الصحيح يُبنى حصريًا على القرآن الكريم المفسَّر بتفسير العترة الطاهرة صلوات الله عليهم وفق مضمون حديث الثقلين وبيعة الغدير. ويوجه الشيخ دعوة مخلصة لشباب السنة وطالبي الحقيقة للرجوع إلى منهج القرآن والعترة، والتحرر من أغلال مدرسة السقيفة ومراجعة الوثائق والمصادر بتأنٍ للتثبت من حقائق الدين الشريف.