السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة - الحلقة 17
السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ١٧ – سيّد قطب ج٥
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 19 محرّم 1439هـ الموافق 10 / 10 / 2017م
يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في استهلال هذه الحلقة استكمال حديثه في تحليل شخصية سيد قطب، منتقلاً من المراحل السابقة المتمثلة في الطفولة والشباب والماسونية والانكفاء لأجواء الثقافة الإسلامية ثم السفر لأمريكا، ليصل إلى مرحلة ارتباطه بحركة الضباط الأحرار، وقد بدأ حديثه ببيان ظلامة السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها مستشهداً برواية الإمام الصادق عليه السلام في كتاب كامل الزيارات، ومؤكداً أن موالاتها والبراءة من أعدائها هو العلاج الناجع للنجاة من السرطان القطبي الخبيث.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول تتبع الجذور التاريخية والسياسية لاختراق الفكر الاشتراكي للساحة الإسلامية بشقيها السني والشيعي، وكيف تم استغلال هذا الفكر من قبل جمال عبد الناصر لتمرير مشروعه السياسي، مبيناً أن الأخير لم يكن متديناً أو ماركسياً بل امتلك دهاءً سياسياً دفعه للبحث عن غطاء شرعي لمشروعه الموجه نحو الطبقات الفقيرة، فوجد ضالته في فكرة الاشتراكية الإسلامية المقتبسة من كتابات القطبيين.
يشير الشيخ إلى أن العلاقة الوثيقة بين عبد الناصر وسيد قطب نشأت من حاجة الأول الماسة لمنظّر يشرعن توجهاته، فاعتمد بشكل كبير على كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام لسيد قطب، والذي يمثل في جوهره خلطة من الفكر الماسوني والنصوص الإسلامية الموجهة، وهذا ما جعل عبد الناصر يقحمه إقحاماً في حركة الضباط الأحرار، بل وجعله المساعد الأول في هيئة التحرير رغم عدم رغبة العديد من العسكريين بوجوده.
يتتبع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي جذور تبني الإسلاميين لمصطلح الاشتراكية، موضحاً أنه جاء كنتاج لتأثيرات الثورة الشيوعية من جهة، وشعارات المساواة التي رفعتها الماسونية الناعمة من جهة أخرى، وقد تراكض المفكرون ورجال الدين آنذاك لإيجاد توافق بين الإسلام وهذه المبادئ هرباً من ضغط الثقافة الحاكمة، حتى صرح محمد رشيد رضا بأن الاشتراكية الحقة لا توجد إلا في الإسلام، ووصل الأمر بالشاعر أحمد شوقي أن يصف نبينا الأعظم بأنه إمام الاشتراكيين.
امتد هذا التأثر لرموز الإخوان المسلمين بشكل عميق، حيث ألف الشيخ محمد الغزالي كتابه أوضاعنا الاقتصادية داعياً فيه للاشتراكية كوسيلة لجذب الجماهير، وكتب مصطفى السباعي المرشد العام للإخوان في سوريا كتاباً أسماه اشتراكية الإسلام قبل أن يغيره لاحقاً إلى التكافل الاجتماعي في الإسلام، ويبين الشيخ أن هذه الكتابات استنسخت مضامينها من سيد قطب لتتحول الاشتراكية إلى خيمة يستظل بها الإسلام الحركي.
لم تسلم الساحة الشيعية من هذا الغزو الفكري حيث تسللت هذه المضامين إلى الأدب والسياسة، فيستشهد الشيخ بقصيدة تنويمة الجياع للشاعر الجواهري وبقصائد الشيخ الوائلي والسيد صالح بحر العلوم التي طافت في فلك المفاهيم الاشتراكية، كما يشير إلى تأثر شخصيات بارزة في حزب الدعوة الإسلامية بالهيكلية التنظيمية للحزب الشيوعي، وانخراط بعض الشخصيات الدينية في التيارات اليسارية بدعوى إنصاف الطبقات المسحوقة.
يوضح الشيخ أن عبد الناصر تبنى هذه المنظومة ودافع عنها بشراسة زاعماً أن الإسلام في عهد الفتوحات طبق الاشتراكية العلمية، ورغم الرعاية الكبيرة التي وفرها لسيد قطب حتى داخل السجن حيث سُمح له بتأليف في ظلال القرآن دون تعذيب كما تشيع أدبيات الإخوان، إلا أن مساعي قطب اللاحقة لتأسيس التنظيم السري بهدف اغتيال عبد الناصر وقلب الحكم، اضطرت الأخير لإعدامه واستئصال هذه الجرثومة الإرهابية.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى إسقاط هذا التحليل التاريخي على الواقع الشيعي الراهن، محذراً بشدة من الترويج لمقولة أن الإسلام هو دين المساواة ومؤكداً أنها من صميم الثقافة القطبية الدخيلة، فالإسلام العظيم هو دين العدالة، والعدالة تختلف جذرياً عن المساواة المطلقة التي تخالف الحكمة التكوينية، ولذا فإن إمام زماننا صلوات الله عليه حينما يظهر فإنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وليس مساواة، إذ أن المساواة تقتصر فقط على بعض الحقوق والخدمات الاجتماعية الأساسية.
يختم الشيخ حديثه بالتأكيد على أن غايته من استعراض هذه الحقائق السياسية والتاريخية ليس تقييم الحكومات أو التيارات السنية، بل تنقية الواقع الحسيني من هذا السرطان القطبي الخبيث الذي دمر ساحة الثقافة الشيعية وتغلغل في خطب المنابر وأشعار الرواديد، موجهاً رسالته بضرورة الحذر لحماية الثقافة القرآنية، ومودعاً المستمعين بأن يتركهم في رعاية وعناية قمر بني هاشم أبي الفضل العباس عليه السلام لينظر إليهم بعين اللطف والرحمة.

