السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة - الحلقة 38
الحلقة ٣٨ – ساحة الثقافة الشيعيّة ج١٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 16 ربيع الأول 1439هـ الموافق 5 / 12 / 2017م
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بوصفها استكمالاً مباشراً لما طُرح في الحلقة السابقة، حيث يعود إلى مقترحه المتمثل في استثمار جزء يسير من الأموال لتأسيس مؤسسة للدراسات الاستراتيجية تُعنى بالتاريخ السياسي والاجتماعي، مستهلاً حديثه باللجوء إلى ولاء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها كعلاج جذري للنجاة من داء السرطان القطبي الخبيث، ومورداً ما جاء في خطبتها: «مَا هَذِهِ الغَمِيزَةُ فِي حَقّي وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي؟ أَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَبِي يَقُولُ: المَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ»، ومستشهداً برواية الإمام الصادق عليه السلام الواردة في كتاب كامل الزيارات التي تروي تفاصيل ظلامتها وما جرى عليها.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول ضرورة تسليط الضوء على التجارب الشيعية الناجحة لتكون منطلقاً للبناء والتطوير بدلاً من البدء من الصفر أو ما دونه، مع التأكيد على الانفتاح الواعي لتقييم المنتوج الحضاري البشري المعاصر، واستخلاص نقاط القوة المضيئة منه وتجنب نقاط الضعف، وصولاً إلى تشكيل عقل جمعي فاعل قادر على التمييز والنهوض بعيداً عن الرواسب الفكرية التي فرضت داء الصنمية المقيت على الواقع الثقافي والمجتمعي.
في المحور الفقهي والفتوائي، يبرز الشيخ تجربة الشيخ يوسف البحراني من علماء المدرسة الإخبارية كنموذج ناجح لمحاولته النجاة من مناهج المخالفين واقترابه من نصوص العترة الطاهرة، جاعلاً من موسوعته الفقهية الحدائق الناظرة محطة مهمة للدراسة والتقييم، ومبيناً أفضليتها مقارنة بما تتبناه المدرسة الأصولية التي تشربت ببعض قواعد الفكر الشافعي، مع الإشارة إلى أن هذه التجارب البشرية تظل نسبية النجاح ولا ترقى إلى كمال ومثالية المعصوم.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الجانب العقائدي، وتحديداً فيما يخص تفاصيل معرفة إمام زماننا صلوات الله عليه والعترة الطاهرة، مشيداً بتجربة الشيخ أحمد الأحسائي في كتابه شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، والذي يمثل دراسة مستفيضة في الدستور المعرفي والقانون العقائدي الذي وضعه الإمام الهادي عليه السلام، لتكون هذه الموسوعة بمثابة قاعدة معلومات حقيقية لتقييم التفاصيل العقائدية المروية في الحديث الشريف.
على مستوى التغيير الاجتماعي والسياسي والقيادي، يرى الشيخ أن تجربة السيد الخميني تمثل النقطة الأبرز والأكثر نجاحاً في النهوض بواقع الأمة الشيعية حركياً، داعياً إلى اتخاذ هذه الرموز الثلاثة محطات انطلاق للبحث، ومستنكراً في الوقت ذاته مساعي المدرسة الأصولية المهيمنة التي همشت هذه القامات وأبعدتها عن واجهة الثقافة الشيعية لصالح مقاييس لا تتوافق مع نهج الكتاب والعترة.
يطرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ضرورة المعاصرة والانتفاع من الحضارة الغربية المتفوقة في الجوانب التطبيقية والعملية، مبيناً أن مساحة العمل الخيري الرسمي والنظم الاقتصادية ومناهج الإدارة والتعليم في المجتمعات الغربية أوسع وأدق مما هي عليه في مجتمعاتنا، ومشدداً على أهمية التعلم المنضبط وفقاً لاحتياجات التنمية بعيداً عن مجرد التقليد للمنتجات الاستهلاكية والمادية اليومية.
ينتقد الشيخ بشدة الانحراف في تقييم الغرب داخل ساحة الثقافة الشيعية، والذي يختزل الحضارة الغربية في المؤامرات السياسية ونشر الفساد الأخلاقي الجنسي، مرجعاً هذا القصور إلى تأثر النخبة الدينية بما تسرب من الثقافة القطبية وكتب الإخوان المسلمين التي صاغتها عقول موبوءة، ومطالباً بضرورة دراسة العقل الغربي المحرك الذي أنشأ هذه الحضارة العظيمة لفهم آليات نجاحه بموضوعية ووعي.
يفصل الشيخ المنطلقات العملية للعقل الغربي الناجح، محددًا إياها في الحرية وقاعدة الإبداع عند مواجهة التحديات، ومقولة الفردانية والكيان الإنساني التي تحترم حقوق الفرد وتصون شؤوناته، وثقافة العمل المؤسسي والتنظيم، فضلاً عن احترام الكفاءة واحتضان المواهب والموازنة المنطقية بين الأخذ والعطاء، وصولاً إلى الموسوعية العلمية والثقافية التي تفتقر إليها مؤسساتنا بشدة.
في ختام الحلقة، يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن كل ما طُرح يمثل مقدمات ضرورية للوصول إلى زبدة المخض، معلناً أن الحلقات القادمة ستُخصص لتشخيص أعراض السرطان القطبي ومفرداته الدخيلة بدقة، ليتمكن المتلقي من التمييز الدقيق في المؤلفات الشيعية وخطابات المنابر والفضائيات، مودعاً مستمعيه بسؤال الدعاء ومبيناً أن هذا الفرز الواضح هو خاتمة البرنامج والغاية الكبرى من تسلسله.

