ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 31
الحلقة ٣١ – المذهب الطوسي ج١٢
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الجمعة 29 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 25 / 11 / 2022م
يبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مستهل هذه الحلقة أنها تمثل الجزء الثاني عشر من السلسلة العقائدية المخصصة لعرض ومناقشة المذهب الطوسي. ويشير الشيخ إلى أن هذا المذهب، الذي وضعه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف في الوسط الشيعي بـ شيخ الطائفة، قد أصبح مذهبًا رسميًا وعقائديًا مهيمنًا منذ هجرة مؤسسه إلى مدينة النجف في سنة ٤٤٨ للهجرة وتأسيس حوزتها العلمية العلمية هناك. ويذكر الشيخ أنه استعرض في الحلقات السابقة معلمين رئيسيين من معالم هذا المذهب، ليتناول في هذه الحلقة المعلم الثالث متممًا به تشريح البنية العقائدية والفقهية لهذا المذهب المقابل لدين العترة.
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول تفصيل المعلم الثالث من معالم المذهب الطوسي، وهو نقض وإبطال حديث العترة الطاهرة والعبث بنصوصه وفقًا للأهواء والمصالح الشخصية والمذهبية المتغيرة. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذا النقض يتجلى في ممارسات المؤسسات الحوزوية التابعة للمذهب الطوسي، والتي تظهر التمسك العاطفي واللفظي بأحاديث الأئمة صلوات الله عليهم، بينما تعمد عمليًا وعقائديًا إلى تحريف دلالاتها وإقصاء مضامينها الصريحة. ويهدف الشيخ من خلال هذا الشرح إلى كشف الفجوة العميقة بين واقع التدين الشيعي القائم على الفقه الطوسي وبين الديانة المحمدية العلوية الأصيلة المستقاة مباشرة من عيون العترة الصافية.
يتناول الشيخ بالتفصيل الآلية العبثية التي يتعامل بها علماء المذهب الطوسي مع أحاديث العترة الطاهرة، مستخدمين ما يُعرف بـ علم الرجال أو علم القنادر كوسيلة انتقائية لإخضاع النصوص لرغباتهم. فإذا كانت الرواية صحيحة وقوية بموازينهم ولكنها تتعارض مع مصالحهم أو تثير صدامًا مع المدارس الأخرى كأحاديث تحريف القرآن، فإنهم يدوسونها بأرجلهم ويرفضونها؛ في حين يسارعون إلى قبول الروايات الضعيفة وتقويتها والعمل بها إذا وافقت أمزجتهم وفتاواهم. ويرى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذا النهج العبثي متأصل في تصانيف الشيخ الطوسي نفسه، الذي عُرف بالتناقض المنهجي في كتبه الفقهية مثل النهاية والمبسوط والخلاف، إذ يندر أن يستقر على رأي واحد في المسألة ذاتها في هذه الكتب الثلاثة، مما يمثل تلاعبًا بالدين يعيد للأذهان عبث أصحاب المذاهب الأخرى كأبي حنيفة والشافعي.
ويعرض الشيخ موقف مؤسس المذهب في مقدمة تفسيره الشهير التبيان، مظهرًا كيف أعرض عن التفسير الشيعي الأصيل القائم على جمع نصوص العترة. ففي مقدمة هذا التفسير، يصرح الشيخ الطوسي بعدم رضاه عن صنيع علماء الشيعة الأوائل الذين اقتصروا على جمع روايات التفسير الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم، زاعمًا أن تفاسيرهم قاصرة، ومفضلًا تشييد تفسيره وفقًا لـ المنهج العمري الذي يدمج آراء النواصب وسقيفة بني ساعدة. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي سوى في تفسيره بين كلام العترة وكلام مخالفيهم، كما فعل في تفسير الصراط المستقيم في سورة الفاتحة مدعيًا أن التخصيص لا معنى له، وهو ما يمثل تضييعًا لمضمون بيعة الغدير التي تقصر فهم التنزيل وتأويله على علي وآل علي صلوات الله عليهم.
وفي سياق متصل، يستشهد الشيخ بمقدمة كتاب المبسوط ليوضح كيف تملكت الطوسي رغبة عارمة في مجاراة الفقهاء المخالفين وتكثير التفاريع الفقهية على طريقتهم، بعد أن سمعهم يستخفون بفقه الشيعة لقلة فروعه ومسائله ويصفونهم بأنهم أهل حشو ومناقضة. ويشير الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن الطوسي اعترف بضعف عزيمته في البداية بسبب عدم رغبة الشيعة آنذاك في مثل هذه الكتب التفريعية، لاعتيادهم على كتب الحديث والأخبار والتمسك بـ صريح الألفاظ المأثورة عن أئمتهم. ويعقب الشيخ بأن الأئمة صلوات الله عليهم هم من ربوا شيعتهم على التمسك بألفاظهم دون تغيير، تماشيًا مع ما روي في الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ فَلْيَقُلِ: الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا وَمَا أَعْلَنُوا، وَفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وَفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي» .
وينتقل الشيخ عبدالحليم الغزي لعرض المواقف النقدية التاريخية التي فضحت المنهج التفريعي للطوسي، مسلطًا الضوء على كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي لـ محمد بن إدريس الحلي الذي يعد أول من انتقد الطوسي علنًا. ويبين الشيخ أن ابن إدريس الحلي كشف في تعليقاته الفقهية أن الطوسي صاغ معظم فروع كتابه المبسوط اقتباسًا من فقه المخالفين، وتحديدًا الفقه الشافعي الذي تأثر به الطوسي منذ نشأته في خراسان وبغداد. ويستعرض الشيخ نصوصًا من السرائر يصف فيها ابن إدريس فتاوى الطوسي بأنها مأخوذة من المخالفين وتعتمد على أقيستهم الباطلة وظنونهم العاطله، كما هو الحال في مسائل الدية والجنايات ومسألة حرمان قرابات الأم وكلالتها من الدية في الميراث التي وصفها ابن ادريس بأنها عدول عن أصول مذهب الإمام الصادق صلوات الله عليه ورجوع إلى القول بالعصبة.
ويكشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عما يسميه خيانة علمية صريحة ارتكبها الطوسي بحق أستاذه الشيخ المفيد عند شرحه لرسالته العملية المقنعة في كتابه الحديثي تهذيب الأحكام. فعلى الرغم من التزام الطوسي في مقدمة التهذيب بشرح رسالة أستاذه مسألة مسألة، إلا أنه عمد إلى تصفية وحذف النصوص التي تتضمن ذكر فضائل أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ويظهر ذلك جليًا في مسألة دعاء التوجه في الصلاة، حيث أورد الشيخ المفيد في المقنعة صيغة للدعاء تقرأ بعد تكبيرة الإحرام وتشتمل صراحة على الولاية: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِ مُحَمَّدٍ وَوِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». لكن الطوسي حذف هذا الدعاء بكامله في التهذيب، مستبدلاً إياه برواية خالية تمامًا من ذكر أمير المؤمنين تماشيًا مع روايات التقية.
ولا يقتصر التلاعب عند حد دعاء التوجه، بل يتعداه إلى صيغة التسليم والختام في الصلاة الواردة في رسالة المقنعة. ويشير الشيخ إلى أن الشيخ المفيد ذكر في صيغة السلام وجوب التوجه بالخطاب نحو الأئمة الراشدين بقوله: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ... السَّلَامُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ». إلا أن الطوسي قام بحذف هذا التسليم أيضًا، وأثبت بدلاً منه صيغة تقر بالسلام على الأنبياء والملائكة المقربين وتخلو تمامًا من ذكر الأئمة الأطهار. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه الممارسات تكشف عن وجود حساسية مزمنة وممنهجة داخل الحوزة الطوسية تجاه ذكر علي وآل علي صلوات الله عليهم في ثنايا العبادات الأساسية كالصلاة.
ويفسر الشيخ الخلفيات السياسية والمذهبية التي دفعت باتجاه تأسيس المذهب الطوسي، واصفًا إياه بأنه مذهب عباسي خامس صنعته الخلافة العباسية لتدجين الشيعة وإنهاء خطر ثوراتهم، على غرار ما فعلته باصطناع نقابة الطالبيين لتوجيه طاقاتهم نحو الصراعات الداخلية على النفوذ والأموال. ويذكر الشيخ أن العباسيين حاربوا الطوسي في بغداد بطريقة مفتعلة ليوفروا له مسوغًا للانتقال إلى النجف بهدوء لتأسيس مذهبه وتحقيق غاياتهم. وفي هذا الإطار، قام الطوسي برفع الشهادة الثالثة (شهادة الولاية لعلي عليه السلام) من الأذان والإقامة في المشهد العلوي في النجف بالاتفاق مع العباسيين، وهو المنع الذي استمر قرونًا طويلة حتى مجيء الدولة الصفوية. كما عمد الطوسي إلى تفضيل روايات التقية المتوافقة مع فقه الشافعي في العبادات، مثل تشريع صيغة التشهد الخالية من ذكر أمير المؤمنين والزهراء والأئمة صلوات الله عليهم، والاقتصار على تشهد الشافعي المشتمل على الصلاة على محمد وآله بعد الشهادتين باعتباره شرطًا ينفرد به الشافعي عن بقية المذاهب.
وفي ختام المحاضرة، يخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الرسالة العملية الموجهة لشيعة إمام زماننا صلوات الله عليه، معلنًا بوضوح بطلان الصلاة المألوفة لدى الشيعة اليوم لكونها صلاة ذات طابع شافعي مستمد من فتاوى الطوسي ومقلديه من المراجع اللاحقين. ويتوجه الشيخ بخطاب أبوي حار إلى جيل الشباب وطلاب الجامعات والمعاهد والمبتدئين في الحوزة العلمية، داعيًا إياهم إلى اليقظة وإدراك مصيرهم العقائدي، والتبصر بالحقائق والوثائق المعروضة للتمييز بين مذهب الطوسي الضال ودين العترة الطاهرة النقي. ويشدد الشيخ على ضرورة كسر التبعية العمياء لمرجعيات النجف التي يصفها بـ "آيات الشيطان"، والعمل على استقاء العقائد والعبادات من الأصول الصافية المروية عن العترة الطاهرة بعيدًا عن مناهج النواصب والمخالفين

