ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 32
الحلقة ٣٢ – المذهب الطوسي ج١٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 1 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 26 / 11 / 2022م
تُمثّل هذه الحلقة الجزء الثالث عشر من العنوان المتقدم الذي يبحثه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تحت اسم المذهب الطوسي، وهي استكمالٌ واستقصاءٌ لما طُرِح في الحلقات الماضية حول معالم هذا المذهب وتأثيراته الخطيرة على العقلية الشيعية المعاصرة. وينطلق الشيخ في هذا اللقاء من النقطة التي وصل إليها في الحلقة السابقة ليوثق بالدليل الملموس والمكتوب الشواهدَ القاطعة على المعلم الثالث من معالم المذهب الطوسي المتمثل في نقض حديث العترة الطاهرة والعبث بنصوصهم الشريفة، ممهداً بذلك للانتقال إلى معالم أخرى تكشف زيف البناء المنهجي الذي أسسه الطوسي وسارت عليه الحوزات الدينية إلى يومنا هذا.
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول كشف وتعرية المنهج التضليلي التدريجي الذي اعتمده الطوسي في صياغة مذهبه الفكري والفقهي، حيث يعرض الشيخ تفاصيل المخطط الشيطاني الذي استُبدلت بموجبه العبادات والأصول العقائدية الشيعية الأصيلة ببدائل مستوردة من المذاهب السنية وخاصة المذهب الشافعي. ويُبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف تلاعب الطوسي بالروايات والأدعية في كتبه الحديثية والفقهية التأسيسية كـ تهذيب الأحكام والاستبصار والمبسوط والخلاف عبر إفراغها من ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه والتسليم على الأئمة الطاهرين، مستبدلاً إياها بنصوص صدرت تحت ظلال التقية وموافقة المذهب الشافعي. ويشير الشيخ إلى أن الطوسي أبقى في رسائله العملية الموجهة للجمهور على بعض المضامين الشيعية المعهودة لامتصاص غضب العامة وتمرير مشروعه الفقهي الخفي الذي أدى في نهاية المطاف إلى تأسيس عبادات بتراء يقلد فيها معاصرو اليوم أحكام الشافعي دون أن يشعروا.
يبدأ الشيخ باستعراض مصداق صارخ من الخيانة العلمية والعقائدية التي ارتكبها الطوسي في كتاب تهذيب الأحكام، وهو شرحه لكتاب المقنعة لأستاذه الشيخ المفيد. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي التزم في مقدمة كتابه بشرح مسائل الرسالة العملية مسألة مسألة، ولكنه عند وصوله إلى دعاء التوجه المستحب قراءته بعد تكبيرة الإحرام، عمد إلى حذف النص الذي أورده الشيخ المفيد لاشتماله على ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه، واستبدله بنص مروي عن الإمام الباقر صلوات الله عليه صيغ بلسان التقية وخالٍ تماماً من اسم علي. ولم يقف الحد عند هذا العبث، بل كرره الطوسي في صيغة التسليم في ختام الصلاة، حيث حذف الصيغة التي أوردها الشيخ المفيد المشتملة على السلام على الأئمة الراشدين صلوات الله عليهم، وجاء بصيغة بديلة في الصفحة السادسة عشرة بعد المائة من الجزء الثاني تشتمل على السلام على الأنبياء والملائكة المقربين، محاولاً بشتى الطرق إبعاد ذكر آل محمد عن المواضع الأساسية في الصلاة تماشياً مع أصول المذهب الشافعي.
وينتقل الشيخ إلى تفحص كتاب الطوسي الثاني في الحديث وهو كتاب الاستبصار، ليوضح أن هذا المصنف الضخم قد جاء خالياً بالكامل في الصفحة التاسعة والتسعين بعد المائتين في "أبواب كيفية الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها"، وفي الصفحة السابعة بعد المائة في "باب كيفية التسليم"، من أي إشارة إلى دعاء التوجه المشتمل على ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أو صيغة التسليم التي تسلم على الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي اجتهد في إخفاء هذه المعالم الشريفة وصياغة صلاة خالية من ذكر العترة الطاهرة في كتبه الأساسية التي تؤسس لمذهبه. ويوضح الشيخ أن هذا الأمر يفسر لماذا يتعبد الشيعة اليوم في حوزات النجف وكربلاء بصلاة شافعية محضة خالية من الشهادة الثالثة والسلام على الأئمة، بناءً على الخيارات الفقهية التي فرضها الطوسي على مريديه ونسخ بها تراث آل محمد صلوات الله عليهم.
ويواصل الشيخ كشف هذه الانحرافات العقائدية عبر فحص كتابي المبسوط والخلاف الفقهيين للطوسي، مبيناً أنهما يخلوان بالتمام والكمال من صيغة دعاء التوجه العلوية ومن التسليم على أئمة الهدى. ويُثبت الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بالدليل الموثق أن الطوسي أورد في الجزء الأول من كتاب المبسوط في الصفحة الرابعة والخمسين بعد المائة صيغة لدعاء التوجه نقلها من كتاب السنن الكبرى للبيهقي الشافعي، والذي بدوره نقلها حرفياً من كتاب الأم للشافعي. ويشير الشيخ إلى أن محققي الحوزة في مؤسسة النشر الإسلامي بقم قد تحيروا في تخريج هذا النص لعدم وجود أي أثر له في الجوامع الحديثية الشيعية. ويبين الشيخ أن الطوسي لم يكتفِ بنقل الدعاء بل سمى كتابه بنفس اسم كتاب الشافعي الأصلي، صانعاً تماثلاً تاماً مع الفقه السني ومؤسساً لمنهج استنباطي غريب عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تتبعه مرجعيات الحوزة اليوم في استصدار فتاوى مضللة تحكم ببطلان الصلاة لمجرد ذكر علي فيها.
وفي كشف علمي دقيق لأبعاد الخداع الطوسي، يُشرح الشيخ التناقض المنهجي بين مؤلفات الطوسي التأسيسية ورسائله العملية الموجهة لعامة الشيعة وخاصتهم كـ النهاية والاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي في كتاب النهاية أورد بدايةً الصيغة الشافعية لـ دعاء التوجه، ولكنه أتبعها بعبارة "وإن قال المكلف وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم ودين محمد ومنهاج علي حنيفاً مسلماً... كان أفضل"، كما أورد صيغة تسليم تشتمل على التسليم على الأئمة الهاديين المهديين. ويؤكد الشيخ أن الطوسي فعل ذلك لامتصاص الذوق الشيعي العام الذي كان معتاداً على هذه المضامين العلوية من زمان الأئمة وبفعل انتشار كتاب المقنعة للمفيد. ويضيف الشيخ أن هذا الأسلوب هو عينه ما يمارسه فقهاء النجف اليوم الذين يتظاهرون بأقوال تطيب بها نفوس العامة بينما يؤسسون في الخفاء والدروس لآراء فقهية وعقائدية تنسجم مع أهواء مذهبهم الطوسي البتري، حيث يفتون للخاصة في كتاب كـ الاقتصاد بنقصان علم أمير المؤمنين صلوات الله عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، ويمررون للعامة ما يرضيهم ريثما يترسخ التحريف التدريجي في أذهان الأجيال الشيعية المتعاقبة.
ويربط الشيخ بين هذه الانحرافات التاريخية والواقع الفقهي المعاصر، مستحدثاً مصطلح التشهد الأبتر والتسليم الأبتر كشواهد على انحراف صلاة الشيعة اليوم بفعل المذهب الطوسي. ويشبه الشيخ التسليم الخالي من العترة بـ الصلاة البتراء التي يُؤثم فاعلها كحال صلاة إبليس الأبتر الذي أراد عبادة الله من حيث يريد هو لا من حيث يريد الله سبحانه وتعالى. ويستدل الشيخ بحديث الإمام الصادق صلوات الله عليه: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلْيَقُلْ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ» ليثبت ضرورة اقتران الشهادات الثلاث في كل المواضع ومنها الصلاة والتشهد. ويعزز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا التأصيل بآيات من سورة المعارج: «وَٱلَّذِينَ هُم لِأَمَٰنَٰتِهِم وَعَهدِهِم رَٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِم قَائِمُونَ وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَاتِهِم يُحَافِظُونَ»، شارحاً أن كلمة بشهاداتهم جاءت بصيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة، والقيام بالشهادات دلالة على الاستمرار الفعلي في الصلاة والأذان ومختلف شؤون المؤمن الحاضرة والمستقبلية، وليس شهادات المحاكم التي قد لا يؤديها المرء طيلة حياته، مما يبطل فتاوى مراجع النجف الذين يعتبرون الشهادة الثالثة في الصلاة مفسدة لها.
ويعلن الشيخ الانتقال إلى المعلم الرابع من معالم المذهب الطوسي العفن، وهو نقض المنهج الاستنباطي للفتاوى والأحكام عند العترة الطاهرة واستبداله بـ المنهج الاستنباطي الشافعي. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الحوزات العلمية في النجف وكربلاء تسير منذ سنة 448 للهجرة وحتى يومنا هذا على موازين الاستنباط الشافعية، متخلية بالكامل عن المنهج الأبيض الذي رسمته كلمات المعصومين صلوات الله عليهم. ويرى الشيخ أن هذا المنهج الدخيل قد عزل الشيعة عن أنوار أئمتهم وصيّرهم أدوات تنفذ الفقه السني بغطاء شيعي مشوه، نتيجة تغلغل القواعد الأصولية المخالفة في البنية التحتية للفكر الفقهي الشيعي.
ويضع الشيخ كتاب الطوسي العدة في أصول الفقه تحت مجهر النقد العلمي، واصفاً إياه بأنه أول كتاب بنحو رسمي يؤسس لـ علم أصول الفقه في الوسط الشيعي، ومبيناً أن هذا العلم ما هو إلا كشكول من الجهالات والقياسات والاستحسانات الخرقاء المستوردة من زبالة وقاذورات النواصب. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي صاغ كتابه العدة ليكون انعكاساً لكتاب الرسالة للشافعي، مستنداً في دروسه إلى كتب الشوافع كـ المنخول من تعليقات الأصول والمستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي، والمحصول في علم الأصول للفخر الرازي، وكتاب ابن الحاجب بشرح عضد الدين الإيجي. ويشير الشيخ إلى أن كتباً مثل الكفاية والرسائل والقوانين المدرسية اليوم في الحوزات هي امتداد مباشر لهذه القوالب الناصبية، لدرجة اعتراف السيد محمد باقر الصدر في أبحاثه بأن ما يسمونه بـ الدليل العقلي أو الدليل البرهاني في الحوزة ما هو في حقيقته إلا القياس بعينه الذي حاربته العترة الطاهرة. ويكشف الشيخ زيف ادعاءات الحوزة بالاستقلال المنهجي مبيناً كيف انتقل مصطلح الاجتهاد الشائن الذي تسبب تاريخياً بقتل الصديقة الطاهرة والأئمة صلوات الله عليهم من سقيفة بني ساعدة إلى سقيفة بني طوسي وصار مقدساً لديهم.
ويفضح الشيخ المنهج الاستنباطي الطوسي من خلال قراءة ما سطره الطوسي في الجزء الثاني من كتابه العدة في أصول الفقه في الصفحة السابعة والسبعين بعد السبعمائة ضمن الفصل الثاني المخصص لـ صفات المفتي والمستفتي وبيان أحكامهما. ويُظهر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي للمستمعين كيف اشترط الطوسي في المفتي أن يكون عالماً بالله وصفاته وعدله، وبالنبي وشريعته وسنته، وعالماً بالقرآن وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ومطلقه ومقيده وحقيقته ومجازه، وعارفاً بالإجماع وأفعال النبي صلوات الله عليه، دون أن يذكر الأئمة المعصومين أو حديثهم الشريف بكلمة واحدة، واصفاً هذا المنهج بالناصبي البتري الذي يستنبط الأحكام بعيداً عن إمام الزمان. ويستشهد الشيخ لمقارعة هذا الضلال بحديث الإمام الصادق صلوات الله عليه في الكافي الشريف: «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْمًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ بَابًا نَاطِقًا، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَنَحْنُ» ، مبيناً أن استنباط الأحكام هو من أعظم العبادات التي لا تقبل إلا بوجود الإمام المعصوم كما يذكر الإمام الباقر صلوات الله عليه: «كُلُّ مَنْ دَانَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَلَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ، فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَهُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ، وَاللَّهُ شَانِئٌ لِأَعْمَالِهِ»، مما يثبت بطلان منهج الطوسي وحوزته العارية من حقيقة التسليم لأهل البيت عليهم السلام.
ويختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي محاضرته بدعوة شجاعة وصريحة لعوام الشيعة لكي يتنبهوا لواقع التضليل الطويل الذي مورس عليهم منذ سنة 448 للهجرة وإلى يومنا هذا على يد مرجعيات النجف وكربلاء التي ترتوي من عيون ناصبية كدرة وتُعرض عن حديث آل محمد. ويؤكد الشيخ أن المخرج الوحيد لنيل رضوان إمام زماننا صلوات الله عليه والنجاة من مذهب الضلال والبدع البترية هو نبذ قواعد الطوسي واستيراداته المخالفة والعودة الصادقة والكاملة لأحضان العترة الطاهرة وعقيدتها النقية المبنية على التوحيد والولاية والشهادات الثلاث المتلازمة في الأذان والإقامة والصلاة والموت. ويعد الشيخ مواصلة البحث وتفكيك خفايا هذا المذهب المدمر في الحلقات القادمة ليتجلى الحق وتتم الحجة البيضاء على كل طالب معرفة وخلاص فكري وعقائدي.

