ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 33

الحلقة ٣٣ – المذهب الطوسي ج١٤

٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 2 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 27 / 11 / 2022م

  • تأتي هذه الحلقة لتكون الجزء الرابع من سلسلة الحديث المتقدم في الحلقات الماضية حول المذهب الطوسي، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفكيك وتبيان أوضح معالم هذا المذهب الذي يراه انحرافاً عن منهج العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. ويركز الشيخ في هذا المطلب العلمي على المعلم الرابع من معالم هذا المذهب، وهو نقض منهج العترة الطاهرة في استنباط الفتاوى والأحكام واستبداله بالمنهج الشافعي، مبيناً كيف تأسست الحوزة العلمية في النجف على مناهج دخيلة جردت الدين من جوهره الأصيل.

  • افتتح الشيخ حديثه بتلاوة الآية الشريفة من كتاب الله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، لينطلق منها إلى بسط الفكرة العامة للحلقة التي تدور حول خطورة المسار التاريخي الذي انتهجه أبو جعفر الطوسي في النجف. ويؤكد الشيخ أن هذا المسار تسبب في سلخ عموم الشيعة عن ثقافة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ودين إمام زماننا صلوات الله عليه، مستعرضاً طوايا المنهج الاستنباطي لطائفة من المراجع والشيوخ الذين يراهم قد ساروا على خطى النواصب وأهملوا أصول المعرفة الحقيقية.

  • شرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي شروط المفتي والمستفتي كما وضعها الطوسي في كتابه عدة الأصول، والتي تتطلب من الفقيه أن يكون عالماً بالله وصفاته، وعارفاً بـ رسول الله صلى الله عليه وآله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وعالماً بـ الكتاب بحدود آيات الأحكام، وذا معرفة بـ السنة وناسخها ومنسوخها ومطلقها ومقيدها، بالإضافة إلى الإحاطة بـ الاجماع. وانتقد الشيخ صياغات الطوسي وتعبيرات المراجع المعاصرين التي تفتقر للبلاغة والفصاحة التي كان يتصف بها أصحاب الأئمة صلوات الله عليهم، مؤكداً أن هذه الشروط أغفلت تماماً دور الإمام المعصوم وحجية حديثه المباشر في عملية الاستنباط.

  • سلطت المحاضرة الضوء على تبني الطوسي لأدوات تشريعية سنية وإقحامها في الفكر الشيعي، وعلى رأسها الاجماع الذي وصفه الشيخ بأنه وسيلة ابتكارها نواصب سقيفة بني ساعدة، إلا أن الطوسي جعله دليلاً ثابتاً بل وقدمه في بعض تصانيفه على نصوص العترة الطاهرة صلوات الله عليهم بذريعة أنه غير قابل للنسخ. وأوضح الشيخ أن مصادر التشريع عند الشوافع هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد استبدل الطوسي القياس بمصطلح العقل فراراً من اللعن والذم الذي طال القياس في كلمات الأئمة صلوات الله عليهم، مع بقائه قياساً في المضمون، لتتطابق أصول التشريع الطوسي تماماً مع أصول المذهب الشافعي.

  • كشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عن وجود مخطط سياسي تاريخي دبرته الدولة العباسية لفصل الشيعة عن إمام زماننا صلوات الله عليه وسلخهم من التشيع الحقيقي خوفاً على ملكهم وسلطانهم. وبيّن أن العباسيين الذين استعملوا قديماً نظام نقابة الطالبيين لتحييد ثورات العلويين وتدجينهم، وجدوا في حركة الطوسي العلمية في النجف وحمايتهم له غطاءً مثالياً لتأسيس مذهب فقهي هجين يجرد الشيعة من لغة أحاديث أئمتهم صلوات الله عليهم، وهو ما يفسر عدم تعرض جيش السلاجقة للطوسي أو مضايقته أثناء تشييد حوزته بجوار الكوفة.

  • تطرق الشيخ إلى ما أسماه بخدعة الكتب الأربعة التي يستند إليها المراجع المعاصرون، مبيناً أنها لا تمثل كامل حديث أهل البيت عليهم السلام، بل أقصت الأحاديث التفسيرية والاعتقادية التي بُنيت عليها بيعة الغدير، مما أدى لضياع أجزاء هائلة من تفاسير قديمة مثل تفسير القمي وتفسير العياشي وفرات بن إبراهيم وتفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه. وأضاف أن الطوسيين عمدوا بعد ذلك إلى تضعيف الروايات المتعلقة بمقامات الأئمة صلوات الله عليهم والتحشيد ضد الأحاديث الاعتقادية لصالح الفتاوى الفقهية القريبة من النواصب، بل وامتدت أيديهم لتحريف نصوص مقدسة كـ الزيارة الجامعة الكبيرة في النجف وإخفاء النسخ الأصلية من كتب المتقدمين كـ الكافي وتصانيف الصدوق.

  • ناقش الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي قاعدة عقائدية ورجالية مدمرة في تاريخ الطائفة استقاها الطوسيون من مقدمة كتاب الفهرست للطوسي، حيث اتهم الأخير كبار أصحاب الأئمة ومصنفي الأصول بأنهم "ينتحلون المذاهب الفاسدة" معتبراً كتبهم معتمدة فحسب. وبيّن الشيخ تناقض هذا المنهج الذي يسقط عدالة حَمَلة الحديث الأوائل ويطعن في أمانتهم، في مقابل إضفاء قداسة مطلقة على مراجع النجف المتأخرين، خلافاً لمنطق العترة الطاهرة صلوات الله عليهم الذي مجّد الأصحاب الأوفياء وحذر بشدة من علماء سوء آخر الزمان الذين يضرون الشيعة أكثر من جيش يزيد.

  • استعرضت المحاضرة وثائق علمية دامغة من كتاب السرائر للمحقق ابن إدريس الحلي، الذي ورغم كونه طوسي العقيدة والمنبت، إلا أنه كان شديد النقد لتفاصيل فتاوى الطوسي الفقهية في كتبه المبسوط والخلاف والنهاية. وأشار الشيخ إلى أن ابن إدريس حدد عشرات المواضع في الأبواب الفقهية المختلفة التي أفتى فيها الطوسي للشيعة بآراء الشافعي وأبي حنيفة وسائر فقهاء النواصب دون تمييزها جلياً، ومن ذلك مسائل دية القتل الخطأ وزكاة الفطرة وإحياء الأراضي، مما جعل صلاة العوام وعباداتهم شافعية المحتوى بامتياز نتيجة دمج فروع المخالفين في الوسط الشيعي خبطاً وخلطاً.

  • فنّد الشيخ الأساطير والكرامات الزائفة التي اختلقتها الحوزة الطوسية بغرض ترهيب من يقترب من نقد الطوسي، حيث أشاعوا في كتب التراجم أن ابن إدريس الحلي عوقب بالعمى وقُصف عمره فمات في عشرينياته جراء رده على الطوسي. وأكد الشيخ كذب هذه الدعاوي بالحقائق التاريخية والقرائن التي تثبت وفاته في الخامسة والخمسين من عمره متمتعاً بصحته وبصره، واصفاً هذه الأساليب الكاذبة بأنها سلاح معتاد للمؤسسة الدينية الطوسية لتجهيل الرعية وإبقاء وصايتها عليهم.

  • أوضح الشيخ الترابط البنيوي بين كتاب المبسوط للطوسي والموسوعة الفقهية الكبرى للإمام الشافعي التي عُرفت بكتاب الأم، كاشفاً أن الشيطان وجّه أتباع الشافعي لتغيير اسم كتابهم الأصلي كي لا يلتفت الشيعة إلى استنساخ الطوسي له اسماً ومضموناً بسبب تشبعه بالثقافة الشافعية في خراسان. وعزز ذلك بشهادة مؤرخين وتلامذة للمرجع السيد حسين البروجردي الذي أهدى كتاب المبسوط للشيخ الطوسي إلى شيخ الأزهر عبد المجيد سليم، والذي بدوره صرح معترفاً بأنه طيلة عمله في الفتوى كان يراجع كتاب المبسوط لأنه يجد فيه بضاعتهم وفقههم السني الشافعي ممتزجاً بلا أثر لثقافة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.

  • استند الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى قاعدة لحن القول المستخرجة من القرآن الكريم كأداة بصرية وعقائدية نافذة لتشخيص الروح والجو العام المهيمن على المصنفات، مبيناً أن كتب مراجع النجف المعاصرين كالسيستاني والخوئي والصدر والحكيم تعاني من جفاء مطبق وانقطاع تام عن أنوار أهل البيت عليهم السلام. ووصف المذهب السائد في تلك الأوساط بأنه مذهب خالٍ من بصيرة العترة صلوات الله عليهم، حيث يحارب أتباعه عقائد مقامات الأئمة وتفاسيرهم الشريفة، متمسكين بمنهج ناصبي تسبب في إبعاد الشيعة عن غايات الدين الحقيقية.

  • وفي الختام، قدم الشيخ الرسالة العملية والروحية للمؤمنين بالمقارنة بين الطهر والنقاء الذي يستشعره القارئ في مناجيات الصحيفة السجادية ومفاتيح الجنان كـ مناجاة المريدين ومناجاة المحبين ومناجاة العارفين، وبين جفاف كتب الكلام للمذهب الطوسي التي تسلب حلاوة الإيمان ولذة المناجاة. واستشهد بما رواه ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في قوله: "أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ"، وقوله في استكمل الإيمان: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ"، محذراً من زيادة أو نقصان في حديثهم، وداعياً إلى التبرؤ المطلق من المذهب الطوسي الضال والانضواء تحت لواء آل محمد صلوات الله عليهم وحدهم.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)