ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 34

الحلقة ٣٤ – المذهب الطوسي ج١٥

٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الإثنين 3 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 28 / 11 / 2022م

  • تبدأ الحلقة الرابعة والثلاثون من برنامج ما بين واقعين، واقع الدنيا وواقع الدين، والتي تشكل الجزء الخامس عشر من العنوان المتقدم المذهب الطوسي، ببيان صلة هذه الحلقة بما قبلها؛ حيث يصرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بأن هذه الحلقة تأتي بمثابة حاشية وبمثابة تعليق لأجل توضيح بعض المطالب المهمة التي عُرضت سابقًا في سياق الحديث عن معالم مذهب الحوزة في النجف وكربلاء وتراكمات الضلال عبر القرون.

  • يهدف الشيخ من خلالها إلى كشف الفوارق العميقة بين دين العترة الطاهرة الذي يمثل النقاء والطهارة، وبين المذهب الطوسي الذي يصفه الشيخ بأنه صنيعة عباسية تبتعد بالكامل عن منهج أهل البيت عليهم السلام، مبيناً أن التفقه الحقيقي يرتكز على بناء العقيدة السليمة ومعرفة إمام زماننا، بينما يقوم مذهب الحوزة الرسمي بتشتيت أتباعه في دهاليز القواعد المخترعة والتقليد الأعمى للمناهج المخالفة.

  • يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي معالم المذهب الطوسي الأربعة التي فصّلها في الحلقات السابقة لإعادة ربط الحاشية بأصولها؛ حيث يتمثل المعلم الأول في نقض بيعة الغدير باستبدال المنهج العلوي لتفسير القرآن بالمنهج العمري القائم على شعار حسبنا كتاب الله. ويتمثل المعلم الثاني في نقض أصل الديانة المحمدية العلوية الذي يبتني على أصل واحد هو الإمامة واستبداله بعقيدة أصول الدين الخمسة المستوردة من الأشاعرة والمعتزلة. أما المعلم الثالث فهو نقض حديث العترة الطاهرة والعبث فيه منذ تأسيس حوزة النجف عام ٤٤٨ هـ، بينما يتجلى المعلم الرابع في نقض منهج العترة في استنباط الأحكام واستبداله بالمنهج الشافعي.

  • يرى الشيخ أن هذه المعالم المنحرفة تشكل المسار التراجعي والزلل العقائدي الذي نبّه إليه إمام زماننا صلوات الله عليه في رسالته الأولى إلى الشيخ المفيد عام ٤١٠ هـ. ويبين أن هذا التدهور بدأ منذ الغيبة الكبرى وتراكم حتى تحول إلى مذهب كامل على يد محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ للهجرة. ويوضح الشيخ أن الطوسي جمع بين ضلالات الشريف المرتضى ومذاهب الشافعية والأشاعرة والمعتزلة لتأسيس مذهب مشوه تحت غطاء التشيع بدعم من الدولة العباسية لتحييد الشيعة.

  • يفصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في أولويات التفقه الحقيقي ضمن دين العترة الطاهرة، محددًا أربعة ركائز متسلسلة تبدأ أولاً بـ العقيدة السليمة وجوهرها معرفة إمام زماننا صلوات الله عليه في السياق الذي أرادوه. تليها ثانياً منظومة الأدعية والزيارات بوصفها خزائن للمعارف والثقافة الروحية وليست مجرد طقوس عبادية. ويأتي ثالثاً معارف الكتاب والعترة التي يعبر عنها القرآن والأحاديث بـ الحكمة. ورابعاً تأتي الفتاوى والأحكام في ذيل القائمة لكونها إشارات عملية تقود المؤمن إلى غاية واحدة هي التسليم والسالِمية في فناء إمام زماننا صلوات الله عليه.

  • يضرب الشيخ مثلاً توضيحياً يبين عمق التحريف العقائدي بين المدرستين في مسألة الصلاة؛ فبينما يقرر المذهب الطوسي أن ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه في التشهد يبطل الصلاة، يؤكد دين العترة الطاهرة أن الصلاة شُرعت أصلاً لذكرهم وأن علي بن أبي طالب عليه السلام هو حقيقتها وماهيتها. ويستشهد في ذلك بكلمات أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «أَنَا صَلَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَصِيَامُهُمْ». ويوضح بالحد المنطقي الفلسفي أن جنس الصلاة هو التوحيد والنبوة وفصلها المميز هو الولاية العلوية التي لولاها لكانت العبادة هباءً بلا قيمة.

  • يستدل الشيخ بنصوص كتاب الكافي الشريف من باب وجوب التفقه في الدين، حيث يقرأ الحديث السادس الذي يرويه الكليني بسنده عن علي بن أبي حمزة عن الإمام الصادق صلوات الله عليه قائلاً: «تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ». ويوضح أن كلمة أعرابي في ثقافة العترة تعني الناصبي التابع لسقيفة بني ساعدة. كما يورد حديث المفضل بن عمر عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا تَكُونُوا أَعْرَاباً، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلًا». ويتبعه بحديث أبان بن تغلب: «لَوَدِدتُّ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا». وكذلك حديث الإمام الصادق عليه السلام رداً على رجل لزم بيته: «كَيْفَ يَتَفَقَّهُ هَذَا فِي دِينِهِ؟»، مشدداً على ضرورة التفقه وبناء تيار مجتمعي فكري يحمل هم العقيدة المهدوية ويرفض العزلة.

  • يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن معالم الانحراف في سقيفة بني ساعدة التاريخية تنعكس بوضوح في الحوزة الطوسية المعاصرة، وتتمثل في عدة اتجاهات رئيسية؛ أولها الابتداع والتسطيح الأعرابي الذي أغرق المراجع في تفاهات علم الرجال وعلم الأصول وحرمهم من حقائق الكتاب والعترة. وثانيها التأثر الشديد بـ الفكر اليهودي الذي تغلغل منذ عهد الخليفة الثاني. وثالثها الخضوع لأمزجة الحكام العباسيين ومصالحهم. ورابعها إشغال العامة بالقراءات والتجويد والجدل الكلامي الأجوف بدلاً من عقائد الهدى الحقيقية.

  • يبين الشيخ الدور المحوري لـ الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤ للهجرة في صياغة هذا المسار الأصولي؛ حيث مزج بين الثقافة الأعرابية المحرِفة لمرحلة التأويل، والثقافة اليونانية الفلسفية لينتج كتاب الرسالة في أصول الفقه. وهو المنهج الذي تلقّفه الشيخ الطوسي الذي تلمذ على أيدي الشوافع وخلط مناهجهم مع اعتزاليات الشريف المرتضى والشيخ المفيد في أيام ضلاله. ويبين الشيخ أن المرتضى هو من بدأ بتدمير حديث أهل البيت عبر إنكار حجية أخبار الآحاد والدعوة لحصر العمل بالخبر المتواتر تأثراً بالمعتزلة.

  • يكشف الشيخ كيف عمد الشيخ الطوسي إلى تحريف مصادر التشريع بإدخال الإجماع كمصدر ثالث مقتبساً إياه من الشافعي، ومروّجاً لفرية دخول إمام زماننا صلوات الله عليه في هذا الإجماع دون دليل من كتاب أو سنة. ثم واصل ابن إدريس الحلي في كتاب السرائر هذا التدرج في الضلال بالإعلان صراحة عن إدخال دليل العقل كمصدر رابع للتشريع، وهو المقابل الشافعي للقياس والاستحسان. مما عمّق التناقض والابتعاد التام عن المصدرين الوحيدين في مذهب أهل البيت وهما: القرآن المفسَّر بتفسيرهم والحديث المفهَّم بتفهيمهم.

  • يتناول الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بدعة تقسيم الأحاديث وموضوع التراجيح والتعارض في الفقه الأصولي؛ حيث تمسك الطوسي بحجية خبر الواحد تقليداً أعمى للشافعي، مما تسبب في إهدار وتفتيت الثروة الحديثية الشيعية وحصر الدين في فتاوى مجزأة. كما انتقد ممارسات المراجع العملية التي تقتصر على الترجيح بالأسانيد ورجال السند مهملةً منهج أهل البيت القائم على معاريض الكلام ولحن القول وحل التعارض بالرجوع إلى محكماتهم، والجمع الودي بين الروايات بعيداً عن ضوابط المدرسة الأصولية الناصبية.

  • وفي الختام، يستشهد الشيخ بما سطره السيد الخوئي في كتابه معجم رجال الحديث، حيث أقرّ بوضوح أن آراء الطوسي وفتاواه أصبحت تُعد في سلك الأدلة على الأحكام الشرعية عبر القرون. وهو ما يؤكد حقيقة تلبّس الحوزة ومراجعها بـ المذهب الطوسي العباسي بدلاً من مذهب الحق. وتوجه الرسالة العملية والنجاة لعموم الشيعة وللشباب خصوصاً بضرورة التوسل بـ إمام زماننا صلوات الله عليه ليتخلصوا من ضلالات المراجع وجهلهم، والعودة الصادقة لارتشاف الثقافة الغديرية الرائقة والمعارف الزهرائية الصافية من منبعها العلوي الطاهر.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)