ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 36

الحلقة ٣٦ – المذهب الطوسي ج١٧

٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 5 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 30 / 11 / 2022م

  • يمثل هذا اللقاء الجزء السابع عشر من المحور المتقدم الذي تناوله الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقات الماضية تحت عنوان المذهب الطوسي. يستكمل الشيخ في هذه الحلقة عرض المعطيات التاريخية والملابسات التي شكلت بمجموعها ظروف نشأة هذا المذهب، واصفًا طريقته بفتح ألبوم تاريخي يضم صورًا لمعطيات حقيقية من مصادر شيعية وسنية معروفة، تاركًا لعقول المستمعين حرية الاستنتاج وقراءة المعاني والمضامين دون فرض تحليله الخاص.

  • تبدأ أولى صور هذا الألبوم التاريخي بتناول شافعية الطوسي، حيث يرى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الطوسي، وإن كان ينتمي إلى عائلة شيعية في أصله، إلا أنه نشأ في بيئة شافعية ودخل في دراسة ثقافتها منذ صغره، مما جعله شافعي العقل وشافعي الهوى والثقافة والإدراك. ويشير الشيخ إلى أن مذهبه الفقهي متفرع عمليًا عن المذهب الشافعي، أما في العقائد فقد خلط بين معتقدات الأشاعرة والمعتزلة، مع بروز صوت الفكر الاعتزالي لديه بشكل أقوى، وهو ما شابه حال كبار علماء الشيعة في تلك الحقبة مثل الشيخ المفيد الذي كان معتزلي التأثر، والشريف المرتضى الذي كان معتزليًا أصيلاً في تمسكه بمنطقهم.

  • يسوق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عدة نقاط لإثبات هذه الشافعية، أولها أن كتب الطوسي وآراءه ومعتقداته تدل بوضوح على تأثره الشديد بالثقافة الشافعية، حيث ولد سنة ثلاثمائة وخمسة وثمانين للهجرة وظل منغمسًا في هذه الثقافة حتى وصوله إلى بغداد في سن الثالثة والعشرين سنة أربعمائة وثمانية للهجرة، وبقي متواصلًا مع الشوافع بعد ذلك. وتأتي النقطة الثانية مؤيدة لهذا الأمر من خلال ما كتبه ابن إدريس الحلي في كتابه السرائر، حيث تحدث عن انغماس الطوسي في فقه الشافعي وسائر المخالفين وضرب أمثلة كثيرة على ذلك، وهو ما أكدته كذلك نقاشات علماء المدرسة الإخبارية لآراء الطوسي ومتبنياته الفقهية.

  • وتتعلق النقطة الثالثة بالأساتذة والشيوخ الذين تلقى عنهم الطوسي، إذ يظهر من كتبه وتحديدًا كتاب الفهرست تأثره بمتكلمي المخالفين؛ حيث ترجم لـ أبي منصور الصرام النيسابوري، ومجد كتبه العقائدية ككتاب بيان الدين وتفسيره للقرآن الكريم، وصرح بقراءة أكثر كتاب بيان الدين على الشيخ الشافعي الأشعري أبي حازم النيشابوري. كما يروي الطوسي عن علماء الشيعة والأشخاص المخالفين على حد سواء، كـ أبي زكريا محمد بن سليمان الحمراني، وتكشف الإجازة الكبرى للعلامة الحلي الممنوحة لسادات بني زهرة في حلب عن قائمة من مشايخ الطوسي من العامة والنواصب، ومعظمهم من الشوافع وبعضهم من الأحناف مثل ابن بشران المعدل وابن أبي الفوارس وأبو الطيب الطبري.

  • تكتمل صورة الشافعية بالرجوع إلى شهادات علماء الشوافع أنفسهم ومؤرخي المذاهب الأخرى؛ إذ يذكر شمس الدين الذهبي في كتابيه سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام أن الطوسي قدم بغداد وتفقه أولاً للشافعي ولزم الشيخ المفيد ثم تحول رافضيًا. ويتطابق هذا القول مع ما أورده صلاح الدين الصفدي في الوافي بالوفيات، وتاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وسراج الدين الأندلسي التكروري في العقد المذهب في طبقات حملة المذهب، وكذلك جلال الدين السيوطي والداودي والأدنوي في كتبهم حول طبقات المفسرين، وصولاً إلى المؤرخ الحديث عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين، مما يعزز حقيقة نشوء عقل الطوسي الفقهي على قواعد المدرسة الشافعية.

  • ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الصورة الثانية في ألبومه التاريخي ليعرض معتقدًا عقائديًا تبناه الطوسي وهو القول بـ الوعيد، مستشهدًا بما نقله العلامة الحلي في كتابه خلاصة الأقوال في معرفة الرجال من أن الطوسي كان يقول أولاً بالوعيد ثم رجع. ويوضح الشيخ أن عقيدة الوعيد، التي تلزم الله عقلاً بتنفيذ وعيده وتعذيب مرتكبي الكبائر وحرمانهم من الشفاعة، هي من عقائد الخوارج والمعتزلة الوعيديين. ويعتبر الشيخ أن فكر الطوسي خليط عقائدي أشبه بـ الكشكول المتناقض، مبينًا أن هذا التأثر الاعتزالي مستمر في الحوزات العلمية حتى اليوم؛ إذ يعتمد كتاب شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي (الذي صنف متنه نصير الدين الطوسي) على آراء أبي الحسين البصري المعتزلي في التأسيس لعقيدة التوحيد بدلاً من أحاديث العترة الطاهرة في الكافي الشريف.

  • ويوجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نقدًا لاذعًا للشيخ الطوسي لاتهامه أصحاب الأصول الأوائل من أصحاب الأئمة بأنهم ينتحلون المذاهب الفاسدة في كتابه الفهرست، واصفًا هذا الطعن بأنه افتراء وتزييف وتصدير لفساد معتقده الشخصي المتنقل بين المذاهب. كما يستعرض الشيخ معالم ما بعد عصر الطوسي المتوفى سنة أربعمائة وستين للهجرة، موضحًا أنه هو من أسس لـ المرجعية الوراثية في النجف الأشرف عندما خطط ليرثه ولده الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي. ويرى الشيخ أن هذا المنهج الوراثي تكرر عبر التاريخ بين كبار المراجع ورموز المؤسسة الدينية المعاصرة والقديمة على حد سواء لتوريث النفوذ والأموال.

  • يتطرق الشيخ بعد ذلك إلى تفاصيل مرجعية ولد الطوسي، الحسن أبو علي الطوسي، الذي تزعم الطائفة لقرابة ستين عامًا دون أن يترك أثرًا علميًا يُذكر سوى قوله بوجوب الاستعاذة في الصلاة. وقد أثنى عليه علماء الشوافع مثل ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان واصفًا إياه بأنه كان متدينًا كافًا عن السب. ثم انتقلت المرجعية بالوراثة مجددًا إلى حفيده محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة خمسمائة وأربعين للهجرة، والذي تخلو كتب التراجم الشيعية من ذكره تمامًا بينما ترجم له علماء الشوافع كـ الصفدي في الوافي بالوفيات وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب، واصفين إياه بشيخ الرافضة وعالمهم وزهده وملازمته السجود، مع الإشارة إلى رحلة طوائف الشيعة إليه محملين بالأموال، وهو ما يصفه الشيخ بأنه ممارسة متوارثة لجباية الأموال.

  • وفي سياق تقييم عقلية علماء الطائفة، يتناول الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بالتحليل والمناقشة مقولة تلميذ ابن الطوسي، العماد الطبري (صاحب كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى)، التي عظم فيها حفيد الطوسي قائلاً لو جازت الصلاة على غير الأنبياء والائمة لصليت عليه. يرفض الشيخ هذه المقولة بشدة واصفًا إياها بالجهل بقواعد الدين الحنيف وقوانين الكتاب والسنة، مستدلاً بآيات صريحة تثبت جواز صلاة الله ورسوله والملائكة على عامة المؤمنين كقوله تعالى في سورة الأحزاب: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} وقوله في سورة التوبة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

  • ويتابع الشيخ إيراد شواهد من نصوص الأدعية والزيارات المأثورة عن الأئمة صلوات الله عليهم التي تؤكد بطلان دعوى عدم جواز الصلاة على غير المعصومين؛ كالدعاء الوارد عن الناحية المقدسة في شهر رجب المتضمن الصلاة على عباد الله المنتجبين وبشره المحتجبين، ودعاء أم داوود المروي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه بالصلاة على الأوصياء والسعداء والأبدال والعباد والزهاد، ونصوص الصحيفة السجادية في الصلاة على التابعين وأصحاب النبي. كما يعضد ذلك برواية في كتاب الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه تأمر بالإكثار من الصلاة على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لتنزل صلاة الله والملائكة على العبد المصلي. ويخلص الشيخ إلى أن عدم الصلاة على عامة الناس فرديًا في الخطاب الاجتماعي هو مجرد أدب مرسوم وليس حكمًا بعدم الجواز الشرعي، منتقدًا سعي بعض العلماء لتضخيم منزلة المراجع بادعاءات تخالف منطق القرآن وصريح الروايات.

  • يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي انتقال المرجعية الطوسية في مرحلتها الثالثة إلى حفيد الطوسي من جهة ابنته، وهو علي بن حمزة بن شهريار. ويكشف الشيخ عن ممارسة اجتماعية وسياسية قام بها الطوسي عند نزوله النجف سنة أربعمائة وثمان وأربعين للهجرة؛ حيث صاهر خازن المشهد العلوي الإيراني محمد بن أحمد بن شهريار بتزويجه ابنته لتعزيز نفوذه والسيطرة على الوضع العام هناك. وقد أثمرت هذه المصاهرة ولادة حمزة بن شهريار الذي تولى الحضانة والخزانة وورثها، والذي تشير كتب التراجم كـ رياض العلماء وحياض الفضلاء لـ عبد الله أفندي الأصبهاني ومجمع الآداب في معجم الألقاب لـ ابن الفوطي إلى كونه عديل والد محمد بن إدريس الحلي. وتولى ابنه علي بن حمزة المرجعية بعد وفاة الحفيد محمد بن الحسن، لكن تجربته فشلت في النجف مما دفعه للانتقال إلى الحلة مجاورًا لابن خالته ابن إدريس حتى وفاته سنة خمسمائة وثلاث وسبعين للهجرة.

  • وفي ختام المحاضرة، يؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن أسرة الطوسي من أبناء وأحفاد وأصهار لم يتميزوا بامتلاك نتاج علمي رصين أو فقاهة حقيقية مستمدة من نبع الثقلين، بل انحصر جل نشاطهم الديني في منح إجازات الرواية وجمع الأسانيد. ويرى الشيخ أن هذه الممارسة هي طريقة مقتبسة بالكامل من ثقافة النواصب والمخالفين، ولا قيمة علمية لها في ميزان العترة الطاهرة التي منحت شيعتها إجازة عامة ومباشرة على لسان الإمام الجواد صلوات الله عليه. ويحذر الشيخ من أن الاعتماد على موروثات الطوسي ومناهجه البعيدة عن أحاديث الأئمة أدى إلى تشتيت معالم المذهب الحق واستبداله ببناء فكري هش وضعيف، واصفًا المذهب الطوسي بأنه مذهب ركيك وبعيد عن العقيدة الأصيلة، داعيًا إلى تمحيص الروايات والمعتقدات العقائدية وفقًا لمنهج العترة الطاهرة الحقيقي.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)

الأدلة والوثائق(10)

صورة الأدنوي وتفقه الطوسي للشافعي

ترجمةٌ في «طبقات المفسرين» لأحمد بن محمد الأدنوي تصف الطوسي بشيخ الشيعة وعالمهم، وتذكر قدومه إلى بغداد وتفننه وتفقهه للشافعي. ثم تسجل ملازمته الشيخ المفيد وتحوله إلى الرفض.

صورة الداوودي وانتماء الطوسي إلى مذهب الشافعي

نصّ من «طبقات المفسرين» لشمس الدين الداوودي يذكر انتماء الطوسي إلى مذهب الشافعي وتفقهه عليه بعد قدومه إلى بغداد. كما يسجل قراءته الأصول والكلام على الشيخ المفيد، فقيه الإمامية.

صورة السيوطي وتحوّل الطوسي من الشافعية

ترجمةٌ من «طبقات المفسرين» لجلال الدين السيوطي تذكر أن الطوسي قدم بغداد وتفنن وتخصص وتفقه للشافعي، ثم لازم الشيخ المفيد مدة وتحول إلى الرفض. وتضيف الوثيقة مصدراً شافعياً آخر يثبت المسار العلمي نفسه.

صورة العقد المذهب وتفقه الطوسي على الشافعية

نصّ من «العقد المذهب في طبقات حملة المذهب» لسراج الدين الأندلسي التكروري الشافعي يصف الطوسي بفقيه الشيعة ومصنفهم. ويذكر تفقهه على مذهب الشافعي وقراءته الأصول والكلام على الشيخ المفيد.