ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 37
الحلقة ٣٧ – المذهب الطوسي ج١٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 6 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 1 / 12 / 2022م
يستهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى أنها تمثل الجزء الثامن عشر من العنوان العقائدي والتاريخي المتقدم في الحلقات الماضية وهو المذهب الطوسي. وتعد هذه الحلقة استكمالاً وتتمة لما فتحه الشيخ في الحلقة السابقة من "ألبوم تاريخي" يشتمل على مجموعة صور توثق مسار هذا المذهب وتطوره. حيث استعرض في الصورة الأولى موضوع شافعية الطوسي، لينتقل في هذه الحلقة لعرض الصورة الثانية وهي عباسية الطوسي.
يبين الشيخ كيف تحول الطوسي من فضاء خراسان العلمي والشافعي الصرف إلى فضاء بغداد العباسي بعد أن احتضنه مرجع الطائفة آنذاك الشريف المرتضى. والذي كان غاطساً بامتياز في الشأن العباسي ومنخرطاً في نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. مما أثر عميقاً في صياغة الفقاهة الشيعية ومهد لنشوء مذهب ينسجم مع رغبات وتوجهات السلطة العباسية الحاكمة.
ويبيّن الشيخ أن الأجواء الفكرية والعلمية في بغداد كانت محكومة بثنائية واضحة؛ إذ كانت ثقافة النخبة والسلطة الحاكمة هي الفكر المعتزلي، بينما كانت ثقافة الشارع الديني السائدة هي الثقافة الشافعية. ويوضح أن مراجع الشيعة منذ بدء الغيبة الكبرى انغمسوا في هذين الفضاءين وهما التشفع والاعتزال. وهو ما عده إمام زماننا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه في رسالته الشهيرة إلى الشيخ المفيد عام 410 للهجرة انحرافاً وزللاً عن خط الصحابة الأوائل للأئمة، مقتبساً قوله صلوات الله عليه: "ومعرفتنا بالزلل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون". حيث وصف الشيخ هذا الانكباب بأنه غوص في العيون الكدرة القذرة للتشفع والاعتزال.
ويستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مفارقة تاريخية هامة تكمن في تباين طبيعة العلاقة مع العباسيين والبويهيين بين الشيخ المفيد والشريف المرتضى. فالشيخ المفيد لم تكن علاقته بالعباسيين وطيدة بل كانت محكومة بالمجاملة والتقية. وتعرض للنفي والإخراج من بغداد عدة مرات بسبب الفتن الطائفية بين الكرخ والرصافة، مثلما حدث في عامي 393 و398 للهجرة على يد السلطان البويهي بضغط من الهاشميين العباسيين والحنابلة. في حين كان الشريف المرتضى يحظى برعاية وتدليل كبيرين من السلطتين العباسية والبويهية معاً كونه يمثل صمام أمان لإخماد ثورات العلويين والشيعة.
ويسترسل الشيخ مستشهداً بكتاب الكامل في التاريخ لـ ابن الأثير لإيضاح مدى تغلغل أسرة الشريف المرتضى في البلاط العباسي. إذ لم يكن المرتضى مجرد مرجع ديني، بل كان نقيباً للطالبيين وهو بمثابة حكم ذاتي لهم. ومتولياً لـ ديوان المظالم الذي يعادل وزارة العدل، وأميراً للحاج. كما كانت عائلته ذات ثراء فاحش بفضل العطايا والأملاك التي أغدقها العباسيون عليهم حتى ملك المرتضى ثمانين قرية وعُرف بسببها بـ الشريف الثمانيني. وقد سار على خطى أبيه أبي أحمد الموسوي وأخيه الشريف الرضي اللذين تقلدا هذه المناصب الرفيعة ونالا ألقاباً تشريفية وخلعاً رسمية من الخلفاء العباسيين وحكام بني بويه.
ويطرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لفتة تاريخية وعقائدية بالغة الأهمية حول أصل العمامة السوداء واللباس الأسود. حيث يوضح أن السواد كان اللباس الرسمي لـ بني العباس وهو شعار المسودة، بينما كان الأئمة صلوات الله عليهم وشيعتهم يُعرفون بـ المبيضة لالتزامهم بالبياض. وحينما قُلّد الشريف الرضي نقابة العلويين عام 403 للهجرة، خُلِع عليه السواد من قبل الخليفة العباسي فارتدى العمامة السوداء التي تحولت بالتدريج إلى رمز للمرجعية الشيعية. وهي في أصلها عمامة عباسية لا علاقة لها بالهدي الشرعي الأصيل لأهل البيت صلوات الله عليهم الذين كانت عمامتهم الرسمية بيضاء بذؤابتين.
ويتناول الشيخ مرحلة مفصلية من تاريخ بغداد عام 447 للهجرة عند طي صفحة البويهيين ودخول السلاجقة الأتراك الذين كانوا من أشد الناس نصباً وعداءً للعترة الطاهرة وشيعتهم بقيادة طغرلبك. حيث يذكر مفارقة عجيبة تجلت في قيام شيعة الكرخ وبتوجيه من زعيمهم السياسي عدنان بن الشريف الرضي، الذي خلف عمه المرتضى في النقابة، بحماية الجنود السلاجقة من بطش عامة أهل بغداد. الأمر الذي قوبل بشكر السلجوقيين وتوفير الحماية الخاصة لمقر إقامة عدنان. بينما فُرِض على عموم الشيعة في مساجدهم والمشهد الكاظمي الأذان بـ "الصلاة خير من النوم" سحراً وترك "حي على خير العمل".
ويربط الشيخ بين تصرفات القادة السياسيين ومحاكاة مراجع الدين لهم في تثبيت نفوذهم وسلطتهم. فعلى غرار ما فعله زعيم السلاجقة طغرلبك بتزويج الخليفة العباسي من ابنة أخيه لتوثيق العلاقة السياسية. قام الشيخ الطوسي بتقليد هذا السلوك السياسي بمجرد مجيئه الجديد إلى النجف الأشرف. حيث سارع إلى تزويج ابنته من خازن المشهد العلوي وهو المسؤول الأول في النجف آنذاك لتوثيق أواصر العلاقة وضمان النفوذ. وجرى هذا الزواج في دائرة ضيقة حضرها نقيب العلويين عدنان بن الشريف الرضي، مما أمّن للشيخ الطوسي وعائلته حماية جيش السلاجقة وعدم تعرضهم له بسوء.
ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن مشهد القيادة الشيعية بعد وفاة الشريف المرتضى عام 436 للهجرة قد تقسم وراثياً وسياسياً. إذ آلت الزعامة الدينية والمرجعية إلى الشيخ الطوسي الذي حظي بدعم الخليفة العباسي القائم بأمر الله الذي أجلسه على كرسي الكلام لتهيئته لقيادة مذهب جديد يقترب من الخط العباسي. بينما آلت الزعامة السياسية ونقابة الطالبيين إلى أبي أحمد عدنان بن الشريف الرضي. وظلت هاتان القيادتان تتحركان ضمن مخطط وراثي ممتد استمر لعقود طويلة شملت حتى أبناء الطوسي كابنه الحسن بن الطوسي الملقب بـ المفيد الثاني في النجف الأشرف.
ويشير الشيخ إلى الأحداث العاصفة التي رافقت حكاية القائد العسكري التركي البساسيري عام 446 للهجرة ووحشته مع الخليفة العباسي. حيث تحالف البساسيري مع الفاطميين في مصر وخطب للمستنصر بالله العلوي في بغداد وأعاد الأذان بـ "حي على خير العمل". ويوضح الشيخ أن هذا الظرف السياسي المحرج دفع الشيخ الطوسي، بسبب ولائه المطلق للعباسيين وتطلعه لبناء مذهب يرضى عنه القصر العباسي، إلى التواري وإخفاء نفسه. لينتقل بعدها عام 448 للهجرة إلى النجف الأشرف هارباً من الاضطرابات ومؤسساً لمرجعيته هناك بعيداً عن صراعات العاصمة العباسية.
ويختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي محاضرته بالرسالة العملية العميقة والتحذير العقائدي البالغ. مؤكداً أن المذهب الطوسي تأسس كصياغة تخدم التوجهات السياسية للدولة العباسية وتغذت من روافد الفكر الشافعي والاعتزالي بعيداً عن النبع الصافي لدين الغدير وعترة محمد وآل محمد. ويخلص الشيخ إلى أن المؤسسة الدينية الشيعية المعاصرة في النجف الأشرف وكربلاء هي امتداد مباشر لهذا الفكر الذي يصفه بالناصبي والبتري والمرجئي. محذراً من أن هذه الحوزات بمراجعها وسلوكها ستكون في طليعة من يحارب ويقف ضد إمام زماننا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه عند ظهوره الشريف، مكررين نفس التحالفات والخيانات التاريخية التي جرت عبر العصور ضد أصل الدين والولاية الحقيقية.

