ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 38

الحلقة ٣٨ – المذهب الطوسي ج١٩

٢ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 7 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 2 / 12 / 2022م

  • يبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مستهل هذه الحلقة، والتي تحمل الرقم ثمانية وثلاثين من برنامجه ما بين واقعين، واقعِ الدُنيا وواقعِ الدين، أنها تمثل الجزء التاسع عشر من العنوان العقائدي المتقدم المذهب الطوسي. ويوضح الشيخ صلة هذه الحلقة بما قبلها بأنها استكمال وتتمة لحديثه عن البوم الصور التاريخية الذي فتحه لعرض حقيقة هذا المذهب، حيث استعرض في الحلقات الماضية الصورة الأولى وهي شافعية الطوسي، وانتقل بعدها إلى الصورة الثانية وهي عباسية الطوسي، ولكنه لم يكمل كلامه وتفاصيله بخصوصها، ليكون مسار هذه الحلقة هو مواصلة تفكيك تلك العلاقة العباسية وكيف نشأت وتوطدت.

  • لفكرة العامة للحلقة تتمحور حول إثبات أن المذهب الطوسي يمثل نتاجاً فكرياً هجيناً جرى طبخه وتأسيسه تلبية لمتطلبات البرنامج السياسي للدولة العباسية، بهدف الالتفاف على جوهر الدين الأصيل لـ العترة الطاهرة صلوات الله عليهم وتزييفه. ويطرح الشيخ أطروحته بأن هذا المذهب ما هو إلا تجميع تلفيقي يخلط بين الفقه الشافعي وعقائد المعتزلة والأشاعرة، وهو ما مكن المرجعية الطوسية وسلالتها الوراثية من البقاء والاستمرار تحت عباءة السلطة العباسية دون تعرض لأي تضييق أو اضطهاد حقيقي، على خلاف ما تروجه الأدبيات الحوزوية التقليدية من مظلومية الشيخ الطوسي.

  • يفصّل الشيخ في نشأة العلاقة بين الطوسي والعباسيين، مشيراً إلى أن المعطيات التاريخية تثبت عدم وجود صلة مباشرة للطوسي بالعباسيين إبان وجوده في خراسان، وحتى عند قدومه أول الأمر إلى بغداد في حياة الشيخ المفيد. إلا أن التحول الجوهري حدث بعد وفاة المفيد وانتقال زعامة الطائفة إلى الشريف المرتضى، الذي يصفه الشيخ بأنه كان شخصية عباسية الهوى والتوجه بامتياز بحكم توليه نقابة الطالبيين وصلاته الوثيقة بدار الخلافة العباسية، ومن خلال هذه الأجواء والبيئة العباسية الصرفة للشريف المرتضى، ولدت وتوطدت علاقة الطوسي بالحكومة العباسية ورجالاتها.

  • ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لقراءة وتحليل أحداث سنة خمسين وأربعمائة للهجرة من كتاب الكامل في التاريخ لـ ابن الأثير (الجزء الثامن)، مستعرضاً تفاصيل فتنة البساسيري مبيناً كيف سيّر السلطان السلجوقي جيشاً بقيادة خمارتكين الطغرائي مع سرايا ابن منيع الخفاجي لقتال البساسيري، وكيف غدر به حلفاؤه من عرب الحلة وشيعتها من الأسديين كـ دبيس بن مزيد، فانتهى الأمر بمقتل البساسيري ونهب الكوفة وسقوط خلق عظيم. ويتساءل الشيخ مستنكراً: إذا كان الطوسي قد فرّ حقاً من بغداد خوفاً من النواصب والسلاجقة، فلماذا اجتاح هذا الجيش الكوفة المجاورة للنجف وعاث فيها دماراً وتقتيلاً، بينما بقيت النجف وحوزة الطوسي الناشئة في أمن تام ولم يمسسها أي سوء؟ ويستنتج الشيخ من ذلك أن هجوم السلاجقة على دار الطوسي وإحراق كتبه في بغداد لم يكن إلا مسرحية مدبرة لإيجاد مبرر يخرجه من عاصمة الخلافة ليتفرغ لتأسيس مذهبه الجديد لابتلاع دين العترة.

  • يتناول الشيخ بالنقد والتحليل لقب علم الهدى الذي يشتهر به الشريف المرتضى في الأوساط الحوزوية، مستشهداً بما نقله الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري في كتابه روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات (الجزء الرابع)، حيث يُرجع أصل اللقب إلى كرامة مزعومة تفيد بأن وزير الخلافة العباسية أبو سعيد رأى في المنام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يأمره بأن يطلق على المرتضى لقب علم الهدى لكي يبرأ من مرضه، وهو ما باركه الخليفة العباسي القادر بالله لاحقاً. ويعلق الشيخ بمرارة على تصديق الشيعة لهذه الأقاصيص العباسية التي أسست لكرامات المراجع وصنعت قدسيتهم، في الوقت الذي يسارع فيه أولئك المراجع إلى تضعيف وإنكار أحاديث وروايات العترة الطاهرة الواردة في الكتب القديمة والأصول المعتبرة بذريعة ضعف الأسانيد.

  • ويواصل الشيخ قراءته في كتاب روضات الجنات ناقلاً قصة أخرى جرت في عصر الشريف المرتضى، حيث يذكر النص التاريخي تراجع الشيعة وتوانيهم عن دفع مبالغ مالية طائلة فرضتها السلطة العباسية على أصحاب المذاهب (الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية) لمنحهم اعترافاً رسمياً بمذاهبهم، ورغم محاولة المرتضى دفع نصف المبلغ من ماله الخاص، إلا أن الشيعة عجزوا عن تسديد النصف الآخر، مما حال دون الاعتراف بمذهبهم كأحد المذاهب الرسمية المقرة علناً. ويؤكد الشيخ أن هذه الروايات تُخفي وراءها حقيقة تدبير العباسيين لعدم الاعتراف العلني بـ الجعفرية، بغية فسح المجال للطوسي لإنشاء مذهب هجين بالخفاء يرتدي مسوح التشيع ولكنه يوافق هوى السلطة، مما يبقي الشيعة تحت وهم المظلومية والتقية بينما يتم تدجينهم فكرياً وفقهياً.

  • يفند الشيخ مقولة تعرض مرجعية النجف الطوسية للاضطهاد والظلم من قبل خلفاء بني العباس، مشيراً إلى استمرار المرجعية وسلطتها بعد وفاة الطوسي سنة أربعمائة وستين للهجرة في ولده لأكثر من ستين عاماً حتى سنة خمس مائة وأربعين للهجرة، ثم انتقالها لحفيديه من ابنته حتى سنة خمس مائة وثلاث وسبعين للهجرة، لتنتقل بعد ذلك إلى فقهاء الحلة من أتباعه كـ المحقق الحلي المتوفى سنة ستمائة وست وسبعين للهجرة، ثم ابن أخته العلامة الحلي المتوفى سنة سبعمائة وست وعشرين للهجرة، وولده فخر المحققين المتوفى سنة سبعمائة وواحد وسبعين للهجرة. ويرى الشيخ أن هذا التوارث العائلي الذي دام قرابة ثلاث مائة وخمسة وثلاثين عاماً حوّل المذهب الطوسي إلى جبل راسخ لا يتزلزل، مؤكداً أن الاستقرار والتمكين اللذين حظي بهما هؤلاء العلماء يعودان إلى تماشي مذهبهم بالكامل مع مزاج الدولة العباسية التي تبنت الثقافة الاعتزالية عقائدياً والفقه الشافعي تشريعاً.

  • يستشهد الشيخ بكتاب السرائر لـ ابن إدريس الحلي (الجزء الأول)، مستعرضاً مقدمته التي يشتكي فيها ابن إدريس من زهد أهل عصره في طلب علم الشريعة وغلبة الغباوة والجهل حتى على كبار السن وعلمائهم الذين تحولوا إلى مقلدين وحاكين لآراء الطوسي دون فقه أو دراية. ويشير الشيخ إلى أنه بالرغم من شجاعة ابن إدريس في كسر صنم القدسية المطلقة للطوسي (والتي يسميها الشيخ لعنة الطوسي) ونقده لبعض فتاواه، إلا أن ابن إدريس نفسه ظل طوسياً للنخاع، بل ومن أقذرهم في التعامل مع دين العترة الحقيقي وتفسير القرآن، حيث بقي ملتزماً بالمنظومة العقائدية والعديد من الفتاوى الطوسية ذات الأصول الشافعية والناصبية.

  • يستحضر الشيخ شاهداً علمياً آخر من كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة لـ السيد رضي الدين ابن طاووس المتوفى سنة ستمائة وأربع وستين للهجرة، حيث يوصي ولده وينقل له كلام جده ورام بن أبي فراس عن العالم المتكلم سديد الدين محمود الحمصي الذي أكد معاصراً لابن إدريس أنه لم يعد بين الإمامية مفتٍ على التحقيق، بل تحول جميعهم إلى مجرد حاكين وناقلين لما حفظوه من كلام الطوسي. ويبين الشيخ أن هذه الوثيقة تدعم تماماً أطروحته في كون أفكار الطوسي وفتاواه قد تحولت إلى شريعة ودين ومصدر وحيد للتشريع حلت محل حديث العترة الطاهرة، مشيراً إلى أن مراجع الحوزة عبر التاريخ ولغاية اليوم ساروا على هذا المنهج في تعطيل عقول الشيعة وتوريث المناصب واستغفال الأتباع.

  • وينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى كتاب روضات الجنات (الجزء السابع) ليعرض ما نقله المؤلف عن الشهيد الثاني (زين الدين الجبعي الشامي) في كتابه الدراية بخصوص منعه من الاعتداد بالشهرة المتأخرة، معللاً ذلك بأن غالبية الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ الطوسي تابعه في فتاواه تقليداً محضاً بسبب حسن ظنهم المفرط به. ويوضح الشيخ أن هذا التقليد الأعمى هو الذي وطد أركان العقيدة الطوسية القائمة على أصول الدين الخمسة والعمل بـ أخبار الآحاد في الاستنباط، مؤكداً أن هذه الأسس مأخوذة حرفياً من فقه الشافعي وعقائد المعتزلة والأشاعرة، بينما يقوم دين العترة الطاهرة على أصل واحد وهو التوحيد الخالص، ويعتمد الأخبار الصحيحة المأثورة عنهم دون تقسيمها المدرسي الناصبي إلى آحاد ومتواتر.

  • يطرح الشيخ مثالاً عملياً معاصراً على هيمنة الروح الشافعية الطوسية على فتاوى المراجع الحاليين كـ السيد السيستاني والراحلين كـ السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، مبيناً أن صلاتهم صلاة شافعية بامتياز. ويوضح الشيخ ذلك بإصدارهم فتاوى تقضي ببطلان الصلاة الواجبة في حال ذكر الشهادة الثالثة لعلي صلوات الله عليه في التشهد أو القنوت، ملتزمين بـ التشهد الأبتر الخالي من ذكر الآل والولاية، ضاربين بعرض الحائط آيات القرآن الصريحة وروايات العترة الطاهرة التي تؤكد وجوب إقامة الشهادات الثلاث وبطلان أي عبادة تخلو من ذكر ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

  • يتناول الشيخ كتاب المعالم الجديدة للأصول لـ السيد محمد باقر الصدر، مناقشاً تحليله لظاهرة الركود العلمي التي مرت بها الحوزة بعد الطوسي وعُرفت تاريخياً بـ "مائة العلماء المقلدة". ويرفض الشيخ تبرير الصدر لهذا الركود بعظمة شخصية الطوسي وهيبته الفكرية التي منعت تلامذته من نقده، واصفاً هذا التحليل بالهراء والتغطية على الحقيقة الكبرى المتمثلة في نجاح الطوسي في دفن دين العترة وتأسيس مذهب يرتكز على قواعد مأخوذة من المناهج العمرية وسيد قطب الذي كان الصدر يعشقه ويبكي لإعدامه - بحسب تعبير الشيخ.

  • يختتم الشيخ مناقشة المصادر بالرجوع إلى كتاب معجم رجال الحديث لـ السيد الخوئي (الجزء السادس عشر)، مستشهداً بنصه في ترجمة الطوسي الذي يعترف فيه بأن فتاوى وآراء الطوسي ارتقت لتصبح في سلك الادله على الأحكام ومصادر التشريع. ويوجه الشيخ نقداً لاذعاً لهذه المنهجية السندية الطوسية التي يعتمدها الخوئي وتلميذه السيستاني، مؤكداً أنها المنهجية التي تدفعهم في مجالسهم الخاصة إلى إنكار الحقائق التاريخية والشعائر الحسينية كوجود السيدة رقية عليها السلام وتفاصيل مظلومية السيدة الزهراء صلوات الله عليها، بينما يتباكى خطباؤهم ومبلغوهم عليها على المنابر كذباً واستغفالاً لعواطف الشيعة.

  • يخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام محاضرته إلى نقطتين مركزيتين تمثلان رسالته العملية للجمهور؛ الأولى هي أن وقائع الانحراف والزلل الفكري والعقائدي الذي يعصف بحوزة النجف والمذهب الطوسي يمثل تصديقاً واقعياً وإعجازياً تاماً للرسائل والرسالتين اللتين وجههما إمام زماننا صلوات الله عليه إلى الشيخ المفيد والتي خاطبه فيها بقوله الشريف: "وَمَعْرِفَتِنَا بِالزَّلَلِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً، وَنَبَذُوا الْعَهْدَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"، مبيناً أن الشيعة قد نبذوا عهد العترة وتبعوا مناهج الضلال. والنقطة الثانية هي بطلان وكذب المنهج الحوزوي السندي في تقييم النصوص الدينية، معلناً براءته التامة والكاملة من المذهب الطوسي وحوزته ومراجعه وعقائده التي شوهت نقاء دين الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)