ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 42

الحلقة ٤٢ – المذهب الطوسي ج٢٣

٦ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 6 / 12 / 2022م

  • تبدأ هذه الحلقة، وهي الجزء الثالث من العنوان العقائدي الذي تم استعراضه في الحلقات الماضية وهو المذهب الطوسي، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه تحت عنوان صور من الواقع الشيعي الطوسي المعاصر في حربه على الشهادة الثالثة بطريقة مقنعة ومبطنة. ويستكمل الشيخ مناقشة وكشف فتاوى المراجع المعاصرين في الحوزات الذين يوجهون حرباً مستترة وغير مباشرة ضد الشهادة الثالثة في الصلاة وفي مختلف الأبواب العبادية.

  • تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول بيان هذه الحرب الخفية في فتاوى المراجع الطوسيين، والمقارنة والمفارقة بين المذهب الطوسي المعاصر الذي يقصي الشهادة الثالثة من الصلاة بحجج فقهية واهية، وبين دين العترة الطاهرة الذي يثبت بالدليل القرآني والروائي أن الإقرار بولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الركيزة الأساسية وصمام الأمان والقبول لكل عبادة وعمل.

  • وفي تفصيل المحاور، يبدأ الشيخ بعرض وثيقة صادرة عن موقع المرجع صادق الروحاني يجيب فيها على سؤال حول ذكر الشهادة الثالثة في التشهد الوسط في الصلوات الواجبة، حيث اعتبر الروحاني أن ذكر ولاية علي في الأذان والإقامة مستحب مؤكد، ولكنه أفتى بعدم جواز ذكرها في تشهد الصلاة بحجة أن الصلاة توقيفية لا تجوز الزيادة فيها. ويفكك الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا الاستدلال موضحاً أن مصطلح التوقيفية إن كان يراد به التسليم لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم، فإن الدين كله عقائد وفقه وتفسير هو توقيفي، وبناءً عليه يجب ذكر الشهادة الثالثة تلازماً مع الشهادتين في كل موضع، لأن الشهادتين باطلتان بدونها؛ أما إن كان يقصد نصاً واحداً معصوماً يحدد كل ألفاظ الصلاة وحركاتها ويمنع أي إضافة، فلا وجود لمثل هذا النص المطلق والجامع في تراثنا الحديثي الشريف، بل إن العبادات في فقه العترة الطاهرة هي مجموع مركب من الآيات والروايات.

  • ويتطرق الشيخ إلى الأهلية العلمية والشرعية للمرجع صادق الروحاني، كاشفاً أنه أصدر سابقاً فتوى بتكفيره لمجرد قوله إن القرآن الكريم إذا عزل عن العترة الطاهرة سيتحول إلى كتاب ضلال، وهو ما تؤكده صريح الآية السابعة من سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، مبيناً أن تلك الفتوى التكفيرية المكتوبة بسطر واحد كانت تشتمل على ما يقرب من عشرين خطأً إملائياً ونحوياً مخجلاً. كما يشير الشيخ إلى فتاوى تكفير واختطاف وتصفية مماثلة سرية صدرت بتوجيه من المرجع السيستاني أو ابنه محمد رضا تجيز هدر دمه وتخرجه من الملة، مؤكداً بكل شجاعة أنه يفتخر بكونه خارجاً عن الملة الطوسية التي يحكمها هذا الخلل الفكري والعقائدي والتباعد عن منهج العترة الأطهار.

  • وينتقل الشيخ بعد ذلك لعرض وثيقة فتوى المرجع الكربلائي محمد تقي المدرسي حول حكم قراءة الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة الواجبة، حيث أفتى بأنه لا بأس بذلك إن لم يكن بقصد التشريع والأفضل عدم الاستمرار على ذلك تبعاً لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام. ويبدي الشيخ عبدالحليم الغزي تعجبه الشديد واستنكاره من هذه الازدواجية الفقهية، متسائلاً عما إذا كان المدرسي وباقي مراجع النجف وكربلاء يطبقون أحكام الخمس والزكاة وأموال البعثات بذات الدقة الحرفية التي كانت عليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله دون إحداث فتاوى تشريعية مالية جديدة، أم أن تضييق الخناق والتشدد لا يظهر إلا عند ذكر اسم أمير المؤمنين صلوات الله عليه في صلاة شيعته ومحبيه.

  • ويوجه الشيخ نقداً علمياً وهجومياً لاذعاً لتفسير محمد تقي المدرسي المسمى من هدى القرآن، واصفاً إياه بأنه يمثل ضلالاً لكونه عزل تفسير الآيات عن العترة الطاهرة وتبنى منهج القطبيين المتأثر بـ حسن البنا وسيد قطب ومنهج محمد باقر الصدر. ويفند الشيخ ادعاء المدرسي في مقدمته بأنه حظي بتوفيق وتدبر مباشر واستخراج للدرر بذكائه الخاص، مؤكداً أن التدبر والاجتهاد الحقيقي لا بد أن يكون منقاداً كلياً لتفاسير آل محمد صلوات الله عليهم، مستشهداً بقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبة من نهج البلاغة: ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، ومؤكداً أن القرآن الكريم خط مستور بين الدفتين وصامت لا بد له من ترجمان وهم الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم وحدهم.

  • ويسترسل الشيخ في فضح بطلان المنهج الذي اتبعه المدرسي في تفسيره الذي يدعي فيه الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن بدعوى أنه منهج علمه الرسول الأعظم وأهل البيت، كاشفاً عدم وجود أي رواية تدعم ذلك، بل العكس تماماً هو الثابت في حديث العترة، مستنداً إلى الرواية الواردة في كتاب تفسير العياشي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه عن أبيه الباقر صلوات الله عليه: مَا ضَرَبَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلَّا كَفَرَ. كما ينتقد الشيخ اعتماد المدرسي على معاني المفردات واللغة من كتاب مجمع البيان لـ الطبرسي، شارحاً كيف أن هذا التفسير منقول من تفسير التبيان لـ الطوسي المشحون بآراء المخالفين والنواصب والمعتزلة، وتلخيص لتفسير الكشاف لـ الزمخشري، مما يجعله ممتلئاً بالعجمة والابتعاد عن فقه العترة.

  • وبعد أن يفرغ الشيخ عبدالحليم الغزي من فضح مناهج المذهب الطوسي المعاصر في محاربته لولاية علي، ينتقل لبيان قواعد دين العترة الطاهرة الذي يوجب ذكر الشهادة الثالثة في التشهد، معتبراً إياها واجباً قطعياً وسر صحة صلاتنا وطهارتها وقبولها. ويؤسس الشيخ لهذه القاعدة الكلية العظمى عبر آية التبليغ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، مبيناً أن هذه الآية نزلت في بيعة الغدير، وهي تثبت وتعلن بوضوح أن الرسالة الإلهية والتوحيد والنبوة والقرآن والعبادات كلها تساوي صفراً من دون إعلان ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهي الحقيقة العقائدية المهيمنة على سائر فروع الدين.

  • ويدعم الشيخ هذا التأسيس العقائدي بما ورد في كتاب تفسير البرهان لـ هاشم البحراني عن الإمام الصادق صلوات الله عليه حين قال: نَحْنُ أَصْلُ كُلِّ بِرٍّ، وَمِنْ فُرُوعِنَا كُلُّ بِرٍّ، وَمِنَ الْبِرِّ التَّوْحِيدُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ...، مبيناً من خلال هذا الحديث الشريف أن التوحيد والصلاة هما من فروع ولاية آل محمد التي هي الأصل والأساس لكل بر، فكيف يمكن عقلاً أو شرعاً أن يكون ذكر "الأصل" العقائدي مفسداً أو مبطلاً لـ "الفرع" العبادي، بل إن سلامة الفرع وصحته مشروطة كلياً بالاتصال بجذره وأصله الأصيل.

  • وفي نفس السياق العقائدي، يورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ما رواه ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الرضا صلوات الله عليه: إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي، وَفَرْعُهُ السَّامِي، بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ.... ويستنبط الشيخ من هذا النص المعصوم الشريف أن الصلاة لا تمام لها ولا كمال إلا بالإمام، مما ينسف تخرصات فقهاء المذهب الطوسي الذين يرون في ذكر اسم الإمام علي مبطلاً أو مفسداً للصلاة الواجبة، متهماً فتاواهم بالانقطاع الفكري التام والانسلاخ عن روح فقه آل محمد صلوات الله عليهم، مستشهداً أيضاً بقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمُ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

  • ويستعرض الشيخ البعد الكني والتكويني المتلازم للشهادات الثلاث، ناقلاً حديثاً شريفاً من الكافي الشريف بسند الكليني عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في بدء الخلق: إِنَّ أَوَّلَ أَهْلِ بَيْتٍ نَوَّهَ اللَّهُ بِأَسْمَائِنَا أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَمَرَ مُنَادِياً فَنَادَى: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (ثَلَاثاً)، أَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (ثَلَاثاً)، أَشْهَدُ أَنْ عَلِيّاً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً (ثَلَاثاً). ويتساءل الشيخ بنبرة تهكمية مستنكرة عما إذا كان الله قد أذن في هذا النداء الكوني وأمر بذكره معيداً للشهادة الثالثة بنية "عدم الجزئية" أو "قصد القربة المطلقة" كما يدبج مراجع النجف في رسائلهم العملية، مبيناً أن هذا التلازم الثلاثي أصيل ومحفور في التكوين قبل التشريع.

  • ويعزز الشيخ قاعدة التلازم بحديث القاسم بن معاوية عن الإمام الصادق صلوات الله عليه المروي في كتاب الاحتجاج للطبرسي، وفيه: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ كَتَبَ عَلَيْهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ومثل ذلك على الماء الأول، والكرسي، واللوح، وجبهة إسرافيل، وأجنحة جبرائيل، ليضع الإمام بعد ذلك القاعدة الكلية الواجبة والملزمة لكل الشيعة: فَإِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلْيَقُلْ: عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. ويقف الشيخ وقفة لغوية وبلاغية هامة موضحاً أن صيغة فَلْيَقُلْ (الفعل المضارع المقترن بلام الأمر) تفيد وجوباً إلزامياً وآكداً يفوق صيغة فعل الأمر المجردة، مما يبطل تماماً دعاوى فقهاء المذهب الطوسي.

  • ومن كتاب تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه الذي يصفه الشيخ بأنه سيد تفاسير العترة وأصدقها، ينقل الحديث حول معنى إقامة الصلاة بحدودها وعلاقتها بالشهادات وتفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، حيث يذكر الإمام أن من أكبر حدود الصلاة الدخول فيها لفظاً ومعنى والخروج منها معترفاً بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وبموالاة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ويستدل الشيخ بأن موضع هذا الاعتراف اللفظي الطبيعي والواضح داخل حدود الصلاة الممتدة من تكبيرة الإحرام إلى التسليم هو التشهد الوسط والأخير، حيث تذكر الشهادتان الأولى والثانية وتتبعهما الشهادة الثالثة بداهة.

  • وفي ختام هذه المحاضرة القيمة، يضع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الخلاصة والرسالة العملية متمثلة بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله من تفسير الإمام العسكري حول التشهد الأول والثاني، والذي يبين نداء الله لملائكته عندما يقعد العبد للتشهد ويثني على الله ويصلي على نبيه، فيقول سبحانه وتعالى: فَإِذَا صَلَّى عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاتِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، قَالَ اللَّهُ لَهُ: لَأُصَلِّيَنَّ عَلَيْكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَلَأَجْعَلَنَّهُ شَفِيعَكَ كَمَا اسْتَشْفَعْتَ بِهِ. ويدعو الشيخ عامة الشيعة للمقارنة الوجدانية والعقائدية العميقة بين عظمة وطهارة وكرامة دين العترة الطاهرة وبين واقع المذهب الطوسي المعاصر وفتاوى مراججه المفرغة لصلوات الشيعة من عطر الولاية، حثاً على تصحيح العقيدة والعمل وتثبيت الوفاء الحقيقي لـ بيعة الغدير.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)

الأدلة والوثائق(5)

422

صورة فتوى المرجع صادق الروحاني بخصوص حكم الشهادة الثالثة في الصلاة.

423

صورة فتوى المرجع صادق الروحاني بخصوص حكم الشهادة الثالثة في الصلاة من موقعه الرسمي الإلكتروني.

424

فتوى المرجع محمد تقي المدرسي بخصوص حكم الشهادة الثالثة في الصلاة. اسم الكتاب: الاستفتاءات. المؤلف: المدرسي، السيد محمد تقي. الجزء: 2. الصفحة: 311.

425

صورة فتوى المرجع محمد تقي المدرسي بخصوص حكم الشهادة الثالثة في الصلاة. اسم الكتاب: الاستفتاءات. المؤلف: المدرسي، السيد محمد تقي. الجزء: 2. الصفحة: 311.