ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 47

الحلقة ٤٧ – المذهب الطوسي ج٢٨

١١ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 16 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 11 / 12 / 2022م

  • يستهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها الوثيقة بما قبلها، موضحاً أنها تمثل الجزء الثامن من العنوان المتقدم الذي شرع في بسطه طوال الحلقات الماضية. ويشير الشيخ إلى أن حديثه في هذا اللقاء هو استكمال لحديثه العلمي الموجز، ويمثل القسم الثاني من الدراسة المختصرة حول التاريخ العلمي والفتوائي للشهادة الثالثة بحسب المذهب الطوسي، متماً ما ابتدأه في الحلقة السابقة التي عرض فيها القسم الأول من هذا المحور العقائدي والتاريخي.

  • وتتمحور الفكرة العامة للحلقة حول المقارنة والمباينة الجوهرية بين مسارين عقائديين وتاريخيين يحكمان الواقع الشيعي: المسار الكوثر الذي يعبر عن التمسك الصادق والكامل بمنطق وعلم ومظلومية أهل البيت صلوات الله عليهم، والمسار الأبتر الذي ينحدر من أصول المذهب الطوسي ومبانيه المعتمدِة على المنهج الطبري والتقديس والارتباك الفقهي والعقائدي. ويهدف الشيخ في هذا الطرح إلى الكشف عن جذور التراجع الحوزوي في تثبيت العقائد الأساسية، لا سيما الجهر بـ الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، وإنكار الظلامة التاريخية لـ الصديقة الطاهرة صلوات الله عليها تماشياً مع معطيات التقية والمداراة وممالأة للمخالفين.

  • ويشرع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مناقشة أقدم المصادر الشيعية المتوفرة التي تناولت مسألة الشهادة الثالثة وهو كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق. ويسلط الشيخ الضوء على قرائن علمية قوية تبرهن على وقوع تحريف وتلاعب كبير في نصوص هذا الكتاب بعد وفاة الصدوق، مبيناً أن إقحام جملة وقال مصنف هذا الكتاب رحمه الله في وسط مبحث الأذان والإقامة -وليس في مطلع الفصول كعادة التلاميذ- يؤكد أن واضعاً وضعها بعد رحيل المصنف. ويستغرب الشيخ كيف يخفى على الصدوق التمييز البديهي في الأحكام والفصول بين الأذان والإقامة، وكيف يثبت تشهداً منسوباً للإمام الباقر عليه السلام خالياً تماماً من الصلاة على محمد وآل محمد مماثلاً لما ورد في الفقه الرضوي، فضلاً عن غياب أي ذكر لهذه الروايات في بقية كتب الصدوق التي التزم فيها بإيراد ما هو حجة بينه وبين ربه، مما يدل على العبث بالكتاب وسكوته التام عن هذه الدعاوى طوال قرون.

  • وينتقل الشيخ بعد ذلك لتشريح مواقف الشيخ الطوسي، كاشفاً عن حالة من الاضطراب والارتياب الواضحة التي طبعت فتاواه في كتابيه الشهيرين النهاية في مجرد الفقه والفتوى والمبسوط في فقه الإمامية. ففي كتاب النهاية، أفتى الطوسي صراحة برفض الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ووصف الأخبار الدالة عليها بـ شواذ الأخبار، معتبراً أن من يعمل بها يكون مخطئاً. ولكن حينما صنف كتاب المبسوط في مرحلة متأخرة من حياته، ارتبك موقفه ومال إلى المداراة، حيث قرر أن الشهادة بالولاية لعلي صلوات الله عليه وإن كانت مما ورد في شواذ الأخبار، إلا أن فاعلها لا يأثم بها وإن لم تكن من فصول الأذان وفضائله. هذا الاضطراب والتردد الطوسي أورث حوزات الشيعة المعاصرة حالة من التيه والتخبط بين التحريم المطلق والجواز وجزئية مندوبة مستحدثة لا تستقيم عقلياً وعلمياً.

  • ويعقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مقارنة تاريخية دقيقة تكشف أن كلام الصدوق لم ينقله عنه أحد من معاصريه أو الفقهاء الذين جاؤوا بعده كالعلامة الحلي ويحيى بن سعيد طوال أكثر من أربعة قرون. ويبين الشيخ أن أول مصدر نقل هذا الكلام هو الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي في كتابيه ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة والدروس الشرعية في فقه الإمامية، تلاه الشهيد الثاني، ثم المولى محمد تقي المجلسي في شرحه روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. ويستنتج الشيخ من هذا الانقطاع الطويل أن مراجع الشيعة ليسوا فقهاء حقيقيين بل هم مقلدون للمذهب الطوسي يدورون في فلك تردده، حائرين في عالم الفتوى والاستنباط، يعبثون بالحقائق لإرضاء عوامهم، بينما النصوص العقائدية والآيات القرآنية صريحة وواضحة لا تحتاج لترقيع أو التفاف.

  • ويشن الشيخ هجوماً علمياً لاذعاً على العقلية الحاكمة في مرجعيات النجف المعاصرة، مشبهاً إياهم ومحققيهم ومؤرخيهم بـ أحصنة النواعير الرديئة التي تغطى أعينها حتى تدور في فلك ضيق دون وعي أو دوار. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هؤلاء المراجع يقرؤون التاريخ بمنظار ناصبي يستقي مادته ورؤيته من الطبري والشافعي، وتحت هيمنة التقديس والتصنيم للشخصيات التاريخية مما يحجب عنهم معارف العترة. ويؤكد الشيخ على قاعدته المعصومة لحماية العقيدة: الأصل في أحاديث العترة الطاهرة في كتبنا هو الصحة حتى يثبت العكس، والأصل في كتب العلماء وأقوالهم هو البطلان والضلال والجهل حتى يثبت العكس، محذراً من الدجل والتزييف الحوزوي السائد.

  • ويستشهد الشيخ بالحديث الشريف المروي في كتاب الغيبة للشيخ النعماني المتوفى سنة ثلاثمائة وستين للهجرة، حيث يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لحذيفة بن اليمان: «يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ فَيَطْغَوْا وَيَكْفُرُوا، إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ صَعْباً شَدِيداً مَحْمَلُهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْجِبَالُ عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهِ، إِنَّ عِلْمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ سَيُنْكَرُ وَيُبْطَلُ وَتُقْتَلُ رُوَاتُهُ وَيُسَاءُ إِلَى مَنْ يَتْلُوهُ بَغْياً وَحَسَداً لِمَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ عِتْرَةَ الْوَصِيِّ وَصِيِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ». ويطبق الشيخ هذا النص المعصوم على الواقع التاريخي للمذهب الطوسي، مبيناً أن الطوسي هو الذي أنكر علم أهل البيت وأبطله في كتبه العقائدية والفتوائية وتفسيره التبيان في تفسير القرآن الذي أقصى معارف العترة. كما يوضح كيف قامت المؤسسة الحوزوية بـ حصر كتب الحديث بالكتب الأربعة لتهميش وتدمير سائر الأصول والسنن والتفاسير الشريفة مثل تفسير القمي وتفسير العياشي وتفسير فرات الكوفي وتضعيف الأحاديث التفسيرية والزيارات تضعيفاً شيطانياً مستمراً حتى يومنا هذا مع الخوئي والسيستاني.

  • ويعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي للمسارين اللذين حدثنا عنهما القرآن الكريم وهما المسار الكوثر والمسار الأبتر، جازماً بأن حركة المذهب الطوسي عقائدياً وتفسيرياً وفقهياً تنطبق انطباقاً كاملاً على ملامح المسار الأبتر المنحرف. وتأكيداً لقواعد المنطق الكوثري، يسوق الشيخ قاعدة عقائدية خطيرة أوردها الشيخ الصدوق في كتاب ثواب الأعمال وعقاب الأعمال بسنده عن جابر عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سُوءَ مَا أُوتِيَ إِلَيْنَا مِنْ ظُلْمِنَا وَذَهَابِ حَقِّنَا وَمَا نُكِبْنَا بِهِ فَهُوَ شَرِيكُ مَنْ أَتَى إِلَيْنَا فِيمَا وُلِّينَا بِهِ». ويبين الشيخ أن هذا المبدأ يحتم على الشيعة التسلح بالثقافة العلوية ومعرفة نكبات آل محمد ومظالمهم الواردة في دعاء صنمي قريش وزيارة عاشوراء والبراءه التامة من ظالميهم، مشيراً إلى أن مراجع النجف وكربلاء هم شركاء في هذا الظلم لكونهم ينكرون تفاصيل الجرائم والمصائب التي حلت بالعترة تملقاً وطلباً للوجاهة.

  • ويرى الشيخ أن أعظم وأفدح نكبة في تاريخ العترة هي نكبة علي صلوات الله عليه، التي تجلت حينما اضطر لتقديم فاطمة الزهراء صلوات الله عليها قرباناً لحفظ الرسالة الإلهية بعد غدر الأمة ببيعة الغدير. ويتحدث الشيخ بوجع عميق عن ألم المسمار الذي نبت في صدور الأئمة الأطهار جميعاً منذ نبت في صدر أمهم الزهراء صلوات الله عليها وهو يقطع قلوبهم، معتبراً إياه أشد وأقسى على الحسين عليه السلام من السهم المثلث ومن حوافر الخيول الطاغية التي وطأت جسده الشريف جريحاً في الغاضريات. ويربط الشيخ هذا المشهد المأساوي بجريان الدماء الشريفة والباب والجدار كشهود صدق وبراهين واضحة لا غبار عليها لمظلومية خزانة الأسرار الإلهية.

  • ويسوق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي قاعدة عقائدية ثانية من قواعد المنطق الكوثري مأخوذة من كتاب عوالم العلوم والمعارف ومستدركاتها للمحدث عبدالله البحراني، في الرواية التي تصور الساعات الأخيرة من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيته لأمير المؤمنين بالزهراء صلوات الله عليهما مؤكداً لها: «ثُمَّ وَاللَّهِ يَا فَاطِمَةُ لَا أَرْضَى حَتَّى تَرْضَيْ». ثم يقارن الشيخ هذه القواعد الكبرى بما سطره أحد مراجع المذهب الطوسي وهو محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه جنة المأوى من إنكار صريح لضرب الزهراء ولطم خدها بحجة أن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية تمنع ضرب النساء، متناسياً سيرة عمر بن الخطاب التاريخية في ضرب النساء. ويكشف الشيخ عن تجاسر كاشف الغطاء باتهام الزهراء بالخروج عن حدود الآداب في مخاطبتها لعلي صلوات الله عليه بعد رجوعها غاضبة من المسجد، وثنائه على غاصبي حقها في كتابه الآخر أصل الشيعة وأصولها، عاداً هذا الموقف انحرافاً عقائدياً قذراً وكفراً صريحاً بميثاق المودة.

  • وفي ختام محاضرته، يوجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالة عملية مصيرية لجميع الشيعة والمنتظرين لـ إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام، داعياً إياهم لتطهير عقولهم تطهيراً تاماً من ضلالات ومرجعيات النجف وكربلاء التي وصفها بالسفاهة وبأنها نتاج مباشر للمذهب الطوسي الأبتر. ويحث الشيخ المؤمنين على الثبات على مسار الكوثر، والوعي بحقائق ظلامة فاطمة صلوات الله عليها وقبرها المضيع الذي تركه الإمام الحجة والزهراء كأقوى دليل تاريخي على ظلمها. كما يؤكد على وجوب التبرؤ من دين الطوسيين والانصهار المطلق في معرفة وعلم العترة المعصومة وتجديد ميثاق الولاية الأصيل بالجهر بـ الشهادة الثالثة والدفاع عن ثقافة الغدير النورانية.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)