ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 51
الحلقة ٥١ – المذهب الطوسي ج٣٢
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 20 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 15 / 12 / 2022م
تبدأ هذه الحلقة كاستكمال وتتمة لما تضمنته الحلقات الماضية من برنامج ما بين واقعين: واقع الدنيا وواقع الدين، وتحديدًا في جزئها الثاني تحت عنوان المذهب الطوسي، وهو القسم الخامس المندرج تحت مساري المسار الكوثر والمسار الأبتر؛ حيث يستكمل فيه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحديث ليوضح الفوارق العميقة والمنهجية بين دين العترة والمذهب الطوسي، مخصصًا هذه الحلقة لبيان وتفصيل معنى اسم البتول ومقاماته الغيبية والظاهرية للصديقة الكبرى فاطمة صلوات الله عليها ردًّا على ما يطرحه بعض مراجع وخطباء الحوزة الطوسية.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول الكشف عن الحقائق الغيبية والمعاني العميقة لاسم البتول، مبرهنةً بالقرآن والحديث الشريف على الطهارة المطلقة لـ الصديقة الكبرى فاطمة صلوات الله عليها من كل دنس مادي ومعنوي. ويركز الشيخ على دحض شبهات واتهامات بعض رموز المذهب الطوسي الذين يحاولون تجريد هذا المقام العظيم من ميزته الإعجازية وفضيلته الكبرى عبر تصوير انقطاع الدماء كأمر طبيعي لا فضيلة فيه، مستعرضًا بطلان مناهجهم التي تنطلق من الجهل بـ ثقافة العترة الطاهرة وقوانينها العقائدية والمعرفية المتميزة.
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بالبيان اللغوي لاسم البتول المشتق من الفعل بتل بمعنى قطع، موضحًا أن صيغة فعول في اللغة العربية تُعد علميًا من صيغ المبالغة التي تشتمل في معناها على جهتين؛ فالبتول هي الذات التي انقطعت عنها قذارات الطبائع البدنية ووسخ الطبيعة كالحيض والنفاس من جهة، وهي في حد ذاتها كينونة منزهة مبتلة مطهرة ومقطوعة عن كل قذر ورجس من جهة أخرى. ويؤكد الشيخ أن استخدام هذه الاصطلاحات العلمية الشائعة إنما يقع في سياق تقريب المفاهيم لعقولنا القاصرة، بينما حقائق معاني أهل البيت صلوات الله عليهم تفوق حدود القواعد الصرفية المعهودة.
يستعرض الشيخ طائفة من الأحاديث الشريفة الواردة عن العترة الطاهرة لإثبات هذا المقام الاستثنائي؛ فيشير إلى ما رواه الكليني في كتاب الكافي بسنده عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله عليه من أن «إِنَّ فَاطِمَةَ صِدِّيقَةٌ شَهِيدَةٌ وَإِنَّ بَنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَطْمُثْنَ»، مفسرًا أن المقصود ببنات الأنبياء هنا هو الإشارة إلى السيدة مريم بنت عمران عليها السلام لبيان كمالها وفضلها. كما يستند إلى كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق حيث سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله: ما البتول؟ فقال: «الْبَتُولُ الَّتِي لَمْ تَرَ حُمْرَةً قَطُّ» أي لم تحض، معللاً ذلك بأن الحيض مكروه تكوينيًا في بنات الأنبياء لكمال بنيتهن الجسدية المنزهة عن هذه النقائص الطبيعية.
وينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى ما أورده ابن شهر آشوب في كتاب مناقب آل أبي طالب، حيث خاطب رسول الله صلى الله عليه وآله زوجته عائشة بقوله: «يَا حُمَيْرَاءُ إِنَّ فَاطِمَةَ لَيْسَتْ كَنِسَاءِ الْآدَمِيِّينَ لَا تَعْتَلُّ كَمَا يَعْتَلِلْنَ»، مبيّنًا من خلال التحليل اللغوي الدقيق لمعاني كلمة حميراء في لسان العرب أنها قد تُطلق مصغرةً للدلالة على من يكثر دمها ويطول حيضها، مما يوضح التعريض بحالها مقابل الطهارة الاستثنائية للزهراء. ويعزز ذلك بما روي عن الإمام جعفر الصادق صلوات الله عليه أنه قال: «حَرَّمَ اللهُ النِّسَاءَ عَلَى عَلِيٍّ مَا دَامَتْ فَاطِمَةُ حَيَّةً لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا تَحِيضُ»؛ إذ كانت طهارتها التكوينية تعني انعدام وجود أي كفء يشاركها في منزلتها وبيت زوجها.
وفي سياق التدليل على هذا المقام، يستشهد الشيخ بحديث مروي عن الإمام محمد الباقر صلوات الله عليه في كتاب بحار الأنوار يوضح فيه علة التسمية قائلاً: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرَةَ لِطَهَارَتِهَا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَطَهَارَتِهَا مِنْ كُلِّ رَفَثٍ وَمَا رَأَتْ قَطُّ يَوْمًا حُمْرَةً وَلَا نِفَاسًا»؛ حيث يشمل الدنس والرفث هنا القاذورات المادية والمعنوية على حد سواء. ويدعم هذا المطلب بما جاء في صحيفة الإمام الرضا عن الصحابية أسماء بنت عميس حين ولدت الصديقة ابنها الحسن ولم ترَ لها دمًا، فقال لها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: «أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ ابْنَتِي طَاهِرَةٌ مُطَهَّرَةٌ لَا يُرَى لَهَا دَمٌ فِي طَمْثٍ وَلَا وِلَادَةٍ»، وهو ما يثبت تكوينها الخاص كحورية في صورة إنسية لا تقاس بسائر النساء.
ويعقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مقارنة علمية دقيقة مستوحاة من الآيات القرآنية في سورة آل عمران لبيان الفرق الشاسع بين مقام السيدة مريم والزهراء؛ فيبين أن الآية الكريمة: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» تشير إلى مرحلتين من الاصطفاء يتخللهما تطهير مركب للجسد والروح بعد ولادتها، مستدلاً بقول حنة أم مريم حين وضعتها ودعت لها فتقبلها ربها بقبول حسن، وهو الاصطفاء الأول، ثم «وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا» وهو التطهير. ويوضح الشيخ أن مريم لم تولد مطهرة بل طهرت لاحقًا، وهي تُعد خادمة من شيعة فاطمة، وإنما قرن ذكرهما في الأحاديث يقع على سبيل التقريب والمجاراة والمداراة لعقول الناس المحدودة، إذ لا يقاس بآل محمد أحد.
ويؤصل الشيخ لقانون عقائدي هام في فهم النصوص الشريفة يُعرف بـ قانون المصطلح المتحرك ومعاريض الكلام، مبينًا أن لغة البشر قاصرة وألفاظها ضيقة لا تتسع لمقامات المعصومين؛ ولهذا يتحرك المصطلح ليتخذ معاني مختلفة بحسب المورد. ويضرب مثلاً بحديث أبي ذر الغفاري وكيف أن دلالته اللفظية تبدو شاملة لكل أحد بينما الحقيقة تستثني المعصومين، مستشهدًا بحديث الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهًا حَتَّى يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهًا لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ»، وهو القانون التفسيري الذي تغفله أوساط المذهب الطوسي العاجزة عن فك رموز كلام أهل البيت.
ثم يبحر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في التحليل اللغوي والبلاغي المعجز لـ آية التطهير في سورة الأحزاب: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، موضحًا أن تقديم الجار والمجرور عنكم على المفعول به الرجس يفيد في بلاغة العرب نفي وجود الرجس وقربه منهم أساسًا، على عكس ما لو قيل ليذهب الرجس عنكم الذي قد يوحي بوجوده قريباً منهم. كما أن اقتران الفعل بـ لام التعليل بدل أن المصدرية يبرهن على أن الإرادة الإلهية الكبرى والمتعلقة بأعظم الخلق غايتها الإخبار التكويني عن واقع طهارتهم الأزلية، بينما مجيء المفعول المطلق تطهيرًا من جنس الفعل يؤكد تكرار التطهير وتثبيته ثلاثًا ليشمل طهارة الذات والصفات والأفعال.
ويستعرض الشيخ الموارد القرآنية التي وردت فيها كلمة الرجس ليبرهن على شمول النفي في آية التطهير لكل مصاديق الرجس المادية والمعنوية؛ كرجس القلوب والشرك في قوله تعالى: «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ»، ورجس الخذلان والغضب في قصة هود، ورجس العقول المسلوبة التوفيق في قوله تعالى: «وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ»، ورجس عبادة الأوثان وقول الزور، فضلاً عن النجاسة المادية الصريحة في قوله تعالى: «أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ». وبما أن الدم رجس بنص القرآن، فإن طهارة فاطمة تقتضي بالضرورة انقطاع حمرة الدماء عنها، لتكون سيدة الطهر ومحور آية التطهير التي تبتعد عنها كل مراتب القذر وأسبابه وآثاره.
وينتقل الشيخ بالاستدلال العقائدي إلى الزيارة الجامعة الكبيرة، واصفًا إياها بأنها دستورنا العقائدي والقول البليغ الكامل الذي علّمه الإمام علي الهادي عليه السلام لصحابته؛ حيث نخاطبهم فيها بيقين: «وَأَنَّ أَرْوَاحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». ويتساءل الشيخ مستنكراً: كيف يمكن لعقل شيعي تشرب ثقافة العترة الطاهرة أن يتصور وجود أي نوع من الرجس في ذوات خُلقت من نور واحد قبل خلق الأكوان وكانت بعرش ربها محدقة، بل إن طينتهم ونورهم هم مصدر الطهارة لكل من والاهم وانتمى إليهم، وبهم يطيب الخلق وتتزكى النفوس.
ويربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الطهارة المطلقة بمقامات الإمام الحسين صلوات الله عليه، مستدلاً بـ الزيارة المخصوصة الأولى الواردة في كتاب مفاتيح الجنان التي يخاطب فيها الزائر الإمام الحسين بقوله: «أَشْهَدُ أَنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٌ مُطَهَّرٍ»؛ حيث استُخدمت كلمة طهر كصفة بالمصدر للمبالغة الحقيقية لتدل على أنه عين الطهارة ومصدرها الذي طهرت به البلاد والعباد، مشدداً على أن هذه الطهارة متفرعة ومستمدة من طهارة أمه البتول. كما يستحضر عبارات زيارة وارث الشهيرة: «أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُورًا فِي الْأَصْلَابِ الشَّامِخَةِ وَالْأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجَاهِلِيَّةُ بِأَنْجَاسِهَا» لبيان تسلسل هذا النور القدسي الطاهر.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي محاضرته بالدعوة إلى رسالة عملية مصيرية، مستندًا إلى وصية أمير المؤمنين لكميل بن زياد: «يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا»، حاثًا شيعة أهل البيت على تفريغ أوعية قلوبهم من قذارات وشبهات المذهب الطوسي ونقائصه المنهجية، وملئها بـ ثقافة دين العترة الطاهرة المعرفية النقية. ويتوجه بالدعاء والتوسل بـ زيارة الزهراء صلوات الله عليها: «وَزَعَمْنَا أَنَّا لَكِ أَوْلِيَاءُ وَمُصَدِّقُونَ وَصَابِرُونَ لِكُلِّ مَا أَتَانَا بِهِ أَبُوكِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَتَى بِهِ وَصِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَإِنَّا نَسْأَلُكِ إِنْ كُنَّا صَدَّقْنَاكِ إِلَّا أَلْحَقْتِنَا بِتَصْدِيقِنَا لَهُمَا، لِنُبَشِّرَ أَنْفُسَنَا بِأَنَّا قَدْ طَهُرْنَا بِوِلَايَتِكِ»، مؤكدًا أن غاية الغايات الشيعية هي إعلان البراءة من المناهج الضالة والتمسك بالولاية الفاطمية كمعدن حقيقي للتطهير التكويني والروحي
ملخصات ونصوص الحلقة (1)
المرفقات
العروض التقديمية
الأدلة والوثائق
511
{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} (الآية 5 من سورة الجمعة) مقارنة بين انتقاص ورجس قول بعض رموز المذهب الطوسي عن الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليه وبين مثال هو في الحقيقة أفضل منهم بكثير.

