ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 54

الحلقة ٥٤ – المذهب الطوسي ج٣٥

١٨ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 23 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 18 / 12 / 2022م

  • يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالإشارة إلى أن هذا الحديث هو استكمال لما تَقَدَّم في الحلقات الماضية ضمن مبحث المذهب الطوسي، وتحديدًا تحت عنوان كينونة دين العترة الطاهرة، وهو القسم الثالث من هذا المبحث. ويوضح الشيخ أن المراد بـ كينونة الدين هو قلبه الروحي ومركزه النوري، حيث يواصل بناء القواعد العقائدية التي عَرَض بعض ملامحها في الحلقة السابقة من خلال منظومة قرآنيّة لتكون ميزانًا ومعيارًا تُعرض عليه الروايات والأدعية والزيارات الشريفة التي يثير الخصوم حولها شبهات التفويض والغلو.

  • تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول تبيان جوهر كينونة دين العترة الطاهرة الذي يقوم على أصل واحد لا غير، وهو الولاية المتجسدة في الإمام المعصوم صلوات الله عليه، وذلك في سياق القاعدة الكلية القائلة بأن الأشياء تُستبان ببيان أضدادها. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن إدراك هذا الأصل الواحد يكشف بشكل مباشر زيف وضلال عقائد المذهب الطوسي المرتكز على منظومة أصول الدين الخمسة، وهي المنظومة التي يصفها بأنها عقيدة دخيلة هجينة جُمِع فيها بين مقالات الأشاعرة والمعتزلة، وأُقحِمت فيها الإمامة بشكل مجزوء لتشكل خليطًا عقائديًا مشوشًا يبتعد بالناس عن التوحيد الحقيقي المتمثل بطاعة إمام زماننا صلوات الله عليه.

  • يستشهد الشيخ في تأسيس هذا الأصل الواحد بآيات الكتاب الحكيم، بادئًا بسورة الكهف حيث يقول الله سبحانه وتعالى: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا}، مبيّنًا أن حقيقة الولاية لا يمكن حدّها بتعريفٍ جامع، لكننا نتلمس آثارها العظيمة في كل شؤون وجودنا، وماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا، وفي مراتب الغيب والشهادة، وأن هذه الولاية الإلهية تتجلى وتتشخص في ولاية محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، وتظهر في كل عصر عبر إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام. ثم ينتقل الشيخ إلى آية أخرى من سورة النمل ليربطها بالأولى، وهي قوله تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}، موضحًا أن الحسنة هنا مُعرَّفة بـ الألف واللام العهدية الذهنية للإشارة إلى أمرٍ معهودٍ في أذهان العارفين بتفسير العترة الطاهرة، وهي ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليه التي وردت الإشارة إليها في أحاديث كتاب الكافي الشريف لشيخنا الكليني، في حين يُمثل بغض وعِداء أهل البيت صلوات الله عليهم السيئةَ المعهودة في قوله تعالى: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

  • وفي سياق بيان حقيقة الدين الحق، يفسر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي قوله تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، مؤكدًا أن الإسلام الإلهي المقبول هو التسليم المطلق لمحمد وعلي وفاطمة صلوات الله عليهم، وليس الإسلام المشوَّه الذي تطرحه السقائف التاريخية أو المعاصرة. ويشير الشيخ بلهجة شديدة إلى أن مراجع النجف وكربلاء يتبنون منظومات إسلامية لا صلة لها بإسلام قائم آل محمد صلوات الله عليه، مستندًا إلى نصوص وأحاديث العترة الطاهرة التي تذكر خروج فئات تقاتل الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام عند ظهوره الشريف. ويتابع مفسرًا الآية الأخرى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، موضحًا أن هذا الإسلام المرتبط بالولاية هو صحيفة المؤمن وصك اجتيازه الصراط، مستشهدًا بأبيات تُعبّر عن عقيدته هذه وهي: ولايتي لأمير النحل تكفيني، عند الممات وتغسيلي وتكفيني، وطينتي عُجنت من قبل تكويني، في حب حيدرة فكيف النار تكويني.

  • يصل الشيخ بعد ذلك إلى ما يسميه الآية الأم في العقيدة والقرآن المفسر، وهي الآية الشريفة من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، مبيّنًا أن هذه الآية تؤسس لدينٍ ذي أصلٍ واحد. ويوضح الشيخ أن الرسالة الإلهية بكل تفاصيلها من توحيد ونبوة وقرآن تساوي صفرًا من دون بيعة الغدير وعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه، مما يجعل الإمامة والولاية هي المرجع المطلق وأصل الأصول الذي ترتد إليه سائر المفردات العقائدية والتشريعية. كما يلفت الشيخ إلى القراءات الواردة في كتب المخالفين كقراءة ابن مسعود التي تنص صراحة على تبليغ الولاية لعلي عليه السلام، مؤكدًا أن الكفر ببيعة الغدير والالتفاف عليها -سواء من سقيفة بني ساعدة التاريخية أو سقيفة الطوسي الحديثة- هو أقبح أنواع الكفر لأن الله لا يهدي القوم الكافرين بولايتهم.

  • ويستمر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في توضيح هذا المفهوم العقائدي العميق بالاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة أيضًا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، مؤكدًا أن الدين لم يكتمل بالتوحيد ولا بالنبوة بل كمل وتكلل بولاية علي صلوات الله عليه في يوم الغدير، فصار الإسلام حقيقيًا مكتمل الملامح بعد أن كان مجرد شبحٍ ناقص. ومن هذا المنطلق العقدي، يعتبر الشيخ أن تقسيم الدين إلى أصول خمسة هو انحرافٌ عقائدي مأخوذ من مدارس الأشاعرة والمعتزلة، ويستدل على خطورة هذا الانحراف بقوله تعالى في سورة طه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}، مفسرًا الاهتداء بكونه الاهتداء إلى الولاية، ومستشهدًا بحديث الإمام الصادق عليه السلام عن الأبواب الأربعة التي لا يصلح أولها إلا بآخرها، وتحذيره الشديد من الهلاك والوقوع في الشرك غير المحسوس لمن يظن الإيمان وهو فاقدٌ للأصل الواحد.

  • ولدعم رؤيته حول الأصل الواحد للدين، ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى مأثور الروايات الشريفة، فيستعرض من كتاب بصائر الدرجات لشيخنا الصفار ما جاء عن الإمام الباقر صلوات الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطبًا وصيه: يا علي أنت أصل الدين ومنار الإيمان وغاية الهدى، مؤكدًا شهادة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام بهذا المقام الرفيع. كما يورد الشيخ من ذات المصدر رسالة الإمام الصادق صلوات الله عليه الطويلة إلى المفضل بن عمر، والتي يصرّح فيها بخط يده قائلًا: ثم إني أخبرك أن الدين وأصل الدين هو رجل، وذلك الرجل هو اليقين وهو الإيمان وهو إمام أمته وأهل زمانه، فمن عرفه عرف الله ومن أنكره أنكر الله ودينه ومن جهله جهل الله ودينه وحدوده وشرائعه؛ وهو ما يقطع الطريق على تقسيمات مراجع النجف المعاصرين الذين يعجزون عن إيجاد رواية واحدة تدعم تقسيمهم المخالف للمنهج العقائدي للعترة الطاهرة.

  • ويستمر الشيخ في حشد الأدلة الروائية من متون الكتب المعتمدة، مستعرضًا خطبة الإمام الرضا صلوات الله عليه الطويلة في فضل الإمامة الواردة في كتاب الكافي الشريف، ومستشهدًا بعباراته البليغة: إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، وإن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد. كما ينقل الشيخ وصية الإمام الصادق صلوات الله عليه لعبد الله بن جندب من كتاب تحف العقول، والتي جاء فيها: لكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت؛ وهو المضمون نفسه الذي تؤكده رواية زرارة عن الإمام الباقر صلوات الله عليه في دعائم الإسلام بـ الكافي الشريف، حيث يقرر الإمام المعصوم أن الإسلام بُني على خمسة أشياء، أعظمها وأفضلها الولاية لأنها مفتاح تلك العبادات والدليل عليها، مبيّنًا خطورة حرمان العبادات والأعمال العقائدية والتشريعية من بركة الولاية، ومؤكدًا أن نداء يوم الغدير بالولاية هو الأعظم شأنًا في مسيرة التبليغ الإلهي.

  • وفي سياق متصل، يبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التوحيد الحقيقي والعبادة المقبولة مرتهنان حصرًا بمعرفة إمام الزمان، مستشهدًا برواية كتاب علل الشرائع لشيخنا الصدوق، والتي يروي فيها الإمام الصادق صلوات الله عليه خروج الإمام الحسين صلوات الله عليه على أصحابه وقوله لهم: إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، ولما سُئل عن معرفة الله أجاب بأنها معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته. ويردف الشيخ ذلك بما جاء في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الكاظم صلوات الله عليه قائلًا: وبعبادتنا عُبد الله عز وجل ولولانا ما عُبد الله، وما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق صلوات الله عليه من أن الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يُؤتى منها، وبهم احتج الله على خلقه، مما يوضح بطلان دعاوى الذين يظنون الصلاة والتوحيد مقطوعي الصلة بذكر وولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أو من يزعم أن ذكره في الصلاة يبطلها.

  • ويعضد الشيخ هذه المعاني السامية بعرض نصوص الأدعية والزيارات المروية عن المعصومين صلوات الله عليهم، مستهلًا بـ دعاء الغيبة الوارد في كتاب مفاتيح الجنان عن الناحية المقدسة، مبرزًا قوله الشريف: اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، وموضحًا أن الدعاء جعل الضلال عن الدين لصيقًا بالجهل بالحجة وليس بالجهل بالله أو برسوله. كما يستشهد الشيخ بـ حديث المعرفة بالنورانية ليعضد فكرة الأصل العقائدي الواحد، حيث يخاطب أمير المؤمنين سلمان وأبا ذر قائلًا: معرفتي بالنورانية معرفة الله عز وجل، وهو الدين الخالص الذي قال الله تعالى فيه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. وهو المضمون نفسه الذي يتجلى في تساؤلات دعاء الندبة الشريف: أين باب الله الذي منه يُؤتى؟ أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء؟ أين السبب المتصل بين الأرض والسماء؟. وفي زيارة آل ياسين الواردة عن الحجة بن الحسن عليه السلام حين يخاطبه الزائر: وأشهد أنك حجة الله، أنتم الأول والآخر؛ مما يؤكد أن الإمام هو الباب والوجه والسبب وهو الدين كله والمنتهى. وفي سياق متصل، يروي كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق صلوات الله عليه قوله: أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شيء سببًا، وجعل لكل سبب شرحًا، وجعل لكل شرح علمًا، وجعل لكل علم بابًا ناطقًا، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذاك رسول الله ونحن. كما يقرن ذلك بحديث الإمام الباقر صلوات الله عليه قائلًا: كل من دان يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله. ويُورد حديث ابن الكوّاء مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه وتفسيره للآية الكريمة: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ}، حيث قال: نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذي لا يُعرف الله عز وجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يعرفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه. إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه. ويشير الشيخ كذلك إلى حديث أبي بصير مع الإمام الباقر صلوات الله عليه حين أخبره بمعرفة إمامه، فقال له الإمام الباقر صلوات الله عليه: حسبك إذن، دلالةً على أن معرفة الإمام هي تمام النجاة وأصل الأصول.

  • وينتهي الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في المحور التفصيلي الأخير إلى توضيح مسألة غاية في الدقة العلمية، وهي أن التوحيد الذي نؤمن به ونعرفه بحدود عقولنا ومداركنا إنما هو فكرة مأخوذة من المعصوم صلوات الله عليه، مما يجعل المعصوم هو الأصل والتوحيد فرعًا عقائديًا مأخوذًا عنه، وهو المعنى الأثرى لقول الزيارة الجامعة الكبيرة: من أراد الله بدأ بكم ومن وحّده قَبِلَ عنكم ومن قصده توجّه إليكم. ويساند هذا الفهم العقدي ما نقرؤه في دعاء شهر رجب المبارك المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه، حيث يصف أهل البيت صلوات الله عليهم بأنهم أركان التوحيد ومعادن كلمات الله التي ملأت سمواته وأرضه حتى ظهر أن لا إله إلا أنت. وفي خاتمة المطاف، يوجه الشيخ رسالته العملية والعملية داعيًا عامة الشيعة إلى ضرورة مراجعة وتطهير منظومتهم الفكرية من رواسب المذهب الطوسي ومراجع النجف المعاصرين الذين يعبثون بالعقل الشيعي، ومشددًا على لزوم التمسك الحرفي بدين الأصل الواحد القائم على الولاية الخالصة لإمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام والالتزام ببيعة الغدير حتى لا يقعوا في الشرك والضلال وتكون أعمالهم هباءً منثورًا

ملخصات ونصوص الحلقة (1)