ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 56

الحلقة ٥٦ – المذهب الطوسي ج٣٧

٢٠ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 25 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 20 / 12 / 2022م

  • يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى صلتها العقائدية بالحلقات السابقة، مبيّناً أن هذا اللقاء يمثّل الجزء السابع والثلاثين من السلسلة العقائدية المتقدمة تحت عنوان المذهب الطوسي، وهو تحديداً القسم الخامس من العنوان التفصيلي كينونة دين العترة الطاهرة، والذي يعتمد فيه الشيخ على منهج تبيان حقائق الأشياء من خلال كشف أضدادها. ويذكر الشيخ أن هذه الحلقة تأتي كاستكمال ومواصلة لما استعرضه في الحلقة الماضية (القسم الرابع)، حيث سلّط الضوء على الكيفية التي تعامل بها المذهب الطوسي مع أصل الأصول في الدين—وهو الإمامة والولاية لآل محمد—إذ حوّله مرجعيات حوزه النجف والمدارس الطوسية إلى مجرد نقطة هامشية غير ضرورية في حاشية الدين، متغافلين عن صريح الآية القرآنية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، والتي جعل الله فيها قيمة الرسالة والتوحيد بكاملهما مساوية للصفر بدون بيعة الغدير، فجاءت هذه الحلقة لتعرية هذا الانحراف العقائدي وتتبع امتداداته وتأصيل الموقف الشرعي والتوحيدي الحق للآل الأطهار صلوات الله عليهم.

  • تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول تبيان المفارقة العميقة بين دين العترة الطاهرة والمذهب الطوسي، وكشف زيف الادعاء بأن المذهب الذي أسسه الشيخ الطوسي هو مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم؛ فالأئمة الأطهار صلوات الله عليهم ليس لديهم مذهب اخترعه البشر وإنما هم أصحاب الدين الإلهي الواحد المرتضى في بيعة الغدير، بينما المذهب الطوسي ما هو إلا مذهب خامس شُيّد على غرار المذاهب العباسية الأربعة الأخرى واقتبس أصوله العقدية والاستنباطية من المناهج المعتزلية والشافعية الناقضة للغدير. ويبسط الشيخ فكرته الرئيسة في هذه الحلقة عبر محورين عقائديين خطيرين: الأول تتبع تهميش عقيدة الولاية والإمامة في تراث كبار مراجع الطائفة قديماً وحديثاً، والثاني إثبات وقوع المنظومة الطوسية الحوزوية في الشرك العقائدي الصريح لمخالفتها توحيد العترة الطاهرة في مسألة صفة الإرادة الالهية، وتبنيها بدلاً من ذلك لعقيدة أبي الحسين البصري المعتزلي التي جعلت الإرادة من صفات الذات.

  • يفصّل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في المحور الأول مظاهر تحويل الولاية العلوية إلى شأن هامشي عبر قراءة مباشرة من مصادر المرجعية الطوسية؛ حيث يستعرض ما كتبه السيد محمد باقر الصدر في كتابه بحوث في شرح العروة الوثقى، والذي صرّح فيه بأن قضية إمامة أهل البيت صلوات الله عليهم لم تبلغ في وضوحها لدرجة الضرورة، زاعماً أن عوامل الغموض قد اكتنفتها. وينتقد الشيخ هذا الطرح بقوة مستهجناً جعل إنكار بدو الجاهلية والأجلاف حجةً تسلب الضرورة الإلهية وضوحها، مؤكداً أن الذي يحدد الضروري من عدمه هو الله والرسول والعترة الطاهرة، وليس المنكرين. كما يبيّن الشيخ كيف قزّم السيد محمد رضا السيستاني في كتابه لشرح مناسك الحج عقيدة الولاية بجعلها فرعاً من فروع الدين المتأخرة، مما يثبت تلاشي حقيقة الدين الحق لديهم، ومسارعتهم خلف مناهج السقيفة وبنائهم لمنظومة مراجع يُسلّم عوام الشيعة عقولهم لها دون تبصّر.

  • يتابع الشيخ تفكيك المضامين المنحرفة في الرسائل العملية الطوسية مستشهداً بمقدمة كتاب الفتاوى الواضحة للسيد محمد باقر الصدر، حيث يستبشع الطريقة الهزيلة التي عُرضت بها شخصية النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قبل البعثة، إذ صوّره الكتاب كإنسان يمثل الحالة الاعتيادية البسيطة في مجتمعه، بل ودون مستوى ثقافة عصره، ولم يساهم في أي نشاط ثقافي ولم يقدم تميزاً إلا في الجانب الأخلاقي والأمانة. ويوضح الشيخ أن هذا التصوير يصطدم مباشرة بنصوص الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، مستشهداً بحديث الإمام محمد الباقر والإمام محمد الجواد صلوات الله عليهما اللذين كذّبا ولعنا من يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحسن القراءه والكتابة، كونه كان يقرأ ويكتب بسبعين لساناً. كما يبيّن الشيخ أن الصدر قسّم أصول الدين في رسالته العملية وفقاً للمنهج القطبي المأخوذ من سيد قطب في ظلال القرآن إلى ثلاثة أصول فقط هي: المرسل والرسول والرسالة، جاعلاً وجود المجتهدين والفقهاء خصيصة تعادل خصيصة الأوصياء المعصومين صلوات الله عليهم.

  • ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بعد ذلك إلى تفصيل قضية التوحيد الكبرى، مبيناً أن التوحيد الحق لا يمكن للبشر معرفته بعقولهم القاصرة وإنما هو فكرة إلهية تُتلقى حصراً من المعصومين صلوات الله عليهم كما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: "مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ". ويوضح الشيخ عقيدة أهل البيت صلوات الله عليهم المبنية على أن الإرادة والمشيئة هما من صفات الأفعال الزائدة على الذات الإلهية وليستا من صفاتها الذاتية الأزلية؛ مستشهداً برواية صفوان بن يحيى في كتاب الكافي للكليني عن الإمام موسى الكاظم صلوات الله عليه حين قال: «الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَمَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَلَا يَهُمُّ وَلَا يَتَفَكَّرُ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ، وَهِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ، فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ، يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَلَا هِمَّةٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا كَيْفَ لِذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ».

  • يؤكد الشيخ بطلان عقيدة المذهب الطوسي الحوزوية عبر استدعاء فتوى صريحة وحاسمة من الإمام علي الرضا صلوات الله عليه وردت بسند الصدوق في كتاب التوحيد عن سليمان بن جعفر الجعفري، حيث ينص الإمام الرضا صلوات الله عليه على أن المشيئة والإرادة من صفات الأفعال ويحكم بفتوى حاسمة قائلاً: «الْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُرِيداً شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ». ويعقّب الشيخ على هذا النص المعصوم المشرق موضحاً أن من يزعم أن الله لم يزل مريداً في أزليته فقد حوّل صفة الفعل إلى صفة ذات، والصفات الفعلية زائدة على الذات بالضرورة، مما يقتضي جعل الذات الإلهية مركبة ومحتاجة لأجزائها، وهذا هو الشرك والضلال والابتسار بعينه الذي حذّر منه أئمة الهدى صلوات الله عليهم.

  • يكشف الشيخ للجمهور حقيقة الأصول العقدية التي تدرسها الحوزات العلمية في النجف وكربلاء وقم، مستعرضاً الكتاب العقائدي المركزي والأهم لديهم وهو كتاب كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي (الذي يعتبر الإمام الثاني للمذهب الطوسي)، وهو شرح لمتن نصير الدين الطوسي. ويقرأ الشيخ مباشرة من المسألة الرابعة في الكتاب المعنونة بـ "في أنه تعالى مريد"، حيث ينقل العلامة الحلي اتفاق المتكلمين على أن الله مريد، ويعلن صراحة أن المرجع في تفسير الإرادة وصياغة هذه العقيدة هو أبو الحسين البصري المعتزلي (شيخ المعتزلة المتعصب) الذي يذهب إلى أن الإرادة هي نفس الداعي وعينه وهي صفة ذاتية أزلية. ويفضح الشيخ هذه الحقيقة المدوية مبيناً أن مراجع الطوسيين تركوا عقيدة إمامهم التوحيدي الحق أبي الحسين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الذي جعل الإرادة صفة فعل، وتبعوا عقيدة المعتزلي أبي الحسين البصري وساروا على خطى فكره المشرك.

  • يوضح الشيخ أن تلبّس المذهب الطوسي بعقائد الشرك ليس حالة عابرة، بل هو منهج مكرس يُدرس في حوزات النجف وكربلاء عبر سلسلة متكاملة من الكتب التلقينية التي تبتدئ بكتاب عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر (الذي يعتبره الشيخ كتاب العقائد الأموية لبعده عن نهج الآل)، مروراً بكتاب النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للمقداد السيوري وتلخيص العلامة الحلي لكتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، وصولاً إلى كتاب كشف المراد. ويبرز الشيخ كيف تتفق هذه الكتب قاطبة على أن الإرادة صفة ذاتية عين الذات، ويعرض استفتاءً للسيد الخوئي في كتابه صراط النجاة في أجوبة الاستفتائات يصف فيه كتاب عقائد الإمامية بأنه كتاب نفيس يوصى بالاستفادة منه. كما يثبت الشيخ وجود ختم مكتب السيستاني في قم المقدسة على وثيقة رسمية تجعل عقائد المظفر معياراً لتمييز كامل العقيدة من ناقصها، إلى جانب ورود ذات الشرك في الرسائل العملية للمرجعين محمد الشيرازي وصادق الشيرازي في كتابيهما المسائل الإسلامية اللذين يقرران صراحة أن الإرادة وسائر صفات الكمال عين الذات الإلهية منذ الأزل، في مناقضة صارخة لكلام الإمام الرضا صلوات الله عليه.

  • يتطرق الشيخ إلى الآثار السلبية والعملية الفادحة لهذا الانحراف التوحيدي على شعائر وعوام الشيعة، محذّراً بشدة من قراءة ما يُعرف بـ دعاء العديلة عند المحتضرين والأموات؛ إذ يبيّن أن هذا الدعاء لم يرد مطلقاً عن الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم بل كتبه بعض المراجع والفقهاء الطوسيين المعتزلين ودسّوا فيه عقائد التوحيد الشركية التابعة لأبي الحسين البصري المعتزلي، حيث ينص الدعاء على أن الله سبحانه وتعالى "سميع بصير مريد كاره"، عادّاً الإرادة والكراهة من صفاته الذاتية الأزلية، فضلاً عن خلو هذا الدعاء من عقيدة البراءة والتفاصيل العقدية الحق لآل محمد صلوات الله عليهم. وينصح الشيخ المؤمنين باستبدال هذا الدعاء المبتدع بالنصوص المعصومة المتواترة والمحكمة كـ الزيارة الجامعة الكبيرة التي تحتوي القول العقائدي البليغ الكامل وتشتمل على عقيدة التوحيد الحق والبراءة والرجعة، وقراءة زيارة آل ياسين وزيارة عاشوراء وزيارة الزهراء صلوات الله عليها لتكون عوناً حقيقياً للمحتضر في لحظاته المصيرية الختامية.

  • يستعرض الشيخ روعة وعظمة توحيد العترة الطاهرة الحقيقي من خلال قراءة شواهد باهرة من أدعيتهم الشريفة ومناجياتهم العميقة التي يصف كلامهم فيها بالنور المستغني عن الدليل، مستشهداً بـ مناجاة العارفين للإمام علي بن الحسين السجاد صلوات الله عليه: «إِلَهِي قَصَرَتِ الْأَلْسُنُ عَنْ بُلُوغِ ثَنَائِكَ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِكَ، وَعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ جَمَالِكَ، وَانْحَسَرَتِ الْأَبْصَارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَى سُبُحَاتِ وَجْهِكَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إِلَى مَعْرِفَتِكَ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ»، وبـ مناجاة الذاكرين: «إِلَهِي لَوْلَا الْوَاجِبُ مِنْ قَبُولِ أَمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إِيَّاكَ، عَلَى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي لَا بِقَدْرِكَ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدَارِي حَتَّى أُجْعَلَ مَحَلًّا لِتَقْدِيسِكَ...»، ومناجاة دعاء أبي حمزة الثمالي: «بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ». كما يستشهد بـ دعاء الإمام الحسين صلوات الله عليه في يوم عرفة لتقرير الحقيقة التوحيدية الكبرى: «إِلَهِي تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ، فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ، أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الْظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ، وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً»؛ مؤكداً أن العترة صلوات الله عليهم هم الأدلة على التوحيد وباب الله الذي منه يؤتى ووجهه الذي يتوجه إليه الأولياء.

  • يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه المحاضرة بصرخة توعوية ورسالة عملية حاسمة يوجهها بالدرجة الأولى إلى طلاب الحوزات العلمية في النجف وكربلاء وعموم شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم، محملاً إياهم مسؤولية شرعية وعقائدية كبرى أمام التاريخ وإمام الزمان صلوات الله عليه؛ لمطالبة مراجعهم بالحق والتفتيش في كتبهم وعقائدهم وتخليص أنفسهم وعوام الناس من ربقة عقائد المعتزلة المشرقة ونجاسات المذهب الطوسي الضال الملبّس بعباءة التشيع زوراً. ويدعو الشيخ الشيعة إلى التكاتف والتعاون الفعّال في تعلم علوم دين العترة الطاهرة المروية في كتب الحديث الأصيلة ككتاب الكافي وتوحيد الصدوق وبثها ونشرها بقوة لحفظ العقائد وتطهيرها من التدليس والزيوف، محذراً من البقاء تحت وصاية مرجعيات ضالة تفتي ببطلان الصلاة التي يذكر فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وتأخذ الخمس المباح وتشرعن السقيفة الطوسية، راجياً من الجميع الاستيقاظ ونصرة الحق الإلهي لبيعة الغدير.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)