ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 57
الحلقة ٥٧ – المذهب الطوسي ج٣٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأربعاء 26 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 21 / 12 / 2022م
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى صلتها بما قبلها، حيث يبيّن أنها تمثل الجزء الثامن من العنوان المتقدم في الحلقات الماضية وهو المذهب الطوسي، وتحديدًا القسم السادس الذي يندرج تحت عنوان كينونة دين العترة الطاهرة في برنامج ما بين واقعين، واقعِ الدُنيا وواقعِ الدين في الحلقة السابعة والخمسين. ويوضح الشيخ أن هذا الطرح يأتي استمرارًا للمنهجية التي تتبنى الحكمة المنطقية القائلة بأن الأشياء تُعرف وتتبين من خلال معرفة أضدادها. فحينما تتضح معالم كينونة دين العترة الطاهرة يتكشف في الوقت ذاته ضلال المذهب الطوسي الذي باشر بتأسيسه محمد بن الحسن الطوسي.
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول كيفية قيام المذهب الطوسي بتحويل الأداة أو الوسيلة التي هدمت بها سقيفة بني ساعدة دين العترة الطاهرة إلى مصدر من مصادر التشريع الأساسية، والمتمثلة في الإجماع. ويشير الشيخ إلى أن الإجماع كان وسيلة شيطانية استخدمت لنقض بيعة الغدير، وبدلاً من أن تُرفض هذه الأداة، قام الطوسيون بتبنيها وجعلها منبعًا تشريعيًا مستقلاً. وهو ما أدى إلى هدم بناء الدين بأكمله وتحريف مصادره وصرف عقول الناس عن التمسك بالمنهج الحقيقي لأهل البيت صلوات الله عليهم.
يفصل الشيخ في تبيان معنى الإجماع لغويًا واصطلاحيًا لرفع أي لبس، موضحًا أن الإجماع في اللغة للمفرد يعني توطين النفس والعزم القطعي على الفعل، وللمجموعة يعني التوافق والاتفاق على أمر ما إقدامًا أو إحجامًا. ويشير الشيخ إلى أن اللفظ قد يرد في الأحاديث الشريفة بمعناه اللغوي، كما في مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق صلوات الله عليه التي ورد فيها لفظ المجمع عليه من أصحابك. ويبين الشيخ أن المراد بالمجمع عليه في الروايات هو الرواية المشهورة والمعروفة بين رواة الحديث في مقابل الشاذ النادر، وهو أمر يختلف تمامًا عن بدعة الإجماع التشريعي التي يتبناها مراجع النجف في علم الأصول.
يتناول الشيخ نشأة الإجماع بوصفه بدعة أوجدتها سقيفة بني ساعدة لتبرير تنصيب أبي بكر خليفةً بلا مستند من نص قرآني أو سنة نبوية، حيث اتخذوا من اتفاق الحاضرين أو "الكثرة" دليلاً وشرعية. ويوضح الشيخ أن هذه الوسيلة صُممت خصيصًا للتغطية على غياب النص والالتفاف على تنصيب أمير المؤمنين صلوات الله عليه ونقض بيعة الغدير. ويعقب الشيخ بأن القرآن الكريم يذم الكثرة في ثمانٍ وستين آية من ثلاث وثلاثين سورة تصرح بشكل واضح بأن الأكثرية لا قيمة لها، كقوله تعالى: {أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} و {أَكْثَرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، مما ينسف الأساس القرآني للاعتماد على الكثرة أو إجماعها.
يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن مشكلة الفكر الشيعي الحوزوي بدأت تترسخ مع تغلغل قاذورات النواصب تدريجيًا بعد الغيبة الكبرى، وتبني الشريف المرتضى لمبدأ الإجماع لتأثره بفكر المعتزلة. إلا أن التحول الرسمي والشرعنة الأصولية الكبرى حدثت على يد الطوسي عند تأسيس مذهب الحوزة سنة 448 للهجرة، حيث أدرج الإجماع كأحد مصادر التشريع الأربعة في كتابه العدة في أصول الفقه بجانب الكتاب والسنة. ويعتبر الشيخ أن الطوسي استورد منهج النواصب والشافعية وأقحمه في صلب الاستنباط الشيعي بعد أن كانت مصادر التشريع تقتصر على الكتاب والعترة.
ينتقد الشيخ بشدة الحجة الملتوية التي صاغها الطوسي لإضفاء الحجية على الإجماع، والتي تزعم أن إجماع فقهاء الشيعة على حكم لا يوجد عليه دليل في الكتاب أو حديث العترة يُعد حجة لأن إمام زماننا صلوات الله عليه يكون داخلاً في جملة المجمعين. ويتساءل الشيخ مستنكرًا عن الدليل على هذا الادعاء، مؤكدًا عدم وجود آية قرآنية ولا رواية شريفة ولا توقيع مقدس من الناحية المقدسة يدعم هذه الفكرة الشيطانية. ويصف الشيخ هذا التنظير بالبدعة والافتراء على الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام بهدف تبرير تسرّب مناهج الشافعية والنواصب إلى عقول الشيعة.
يستعرض الشيخ نصوصًا من الكتب الدراسية المعتمدة في حوزة النجف ليثبت أن علماء الأصول يقرّون بأن الإجماع أصله من العامة. ويستشهد الشيخ بكتاب أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر الذي يذكر فيه أن الإمامية أدرجوا الإجماع مجاراةً للنهج الدراسي عند السنيين، وبكتاب فرائد الأصول للشيخ مرتضى الأنصاري الذي يصرّح بأن الإجماع في مصطلح الخاصة بل العامة الذين هم الأصل له، وبكتاب أنوار الهداية للخميني الذي يؤكد فيه أن انسلاك الإجماع في سلك الأدلة إنما نشأ من العامة. ويعتبر الشيخ هذه الاعترافات دليلاً قاطعًا على أن علم الأصول المعمول به في الحوزات هو نسخة كربونية من فكر المخالفين ومستصفى الغزالي ومحصول الرازي.
يقوم الشيخ بنسف دعوى حجية إجماع الأمة أو عصمتها من الخطأ من خلال الاحتجاج بحديث رزية الخميس الشهير والوارد في صحيح البخاري. ويوضح الشيخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما أراد في اللحظات الأخيرة من حياته كتابة كتاب عاصم للأمة من الضلال منعوه من ذلك. وقال عمر بن الخطاب إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، وتنازعوا حتى طردهم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله من بيته. ويتساءل الشيخ بكيفية ادعاء عصمة إجماع هذه الأمة بينما تظاهرت مواقف أقطابها على منع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله من كتابة وثيقة العصمة والهدى.
يروي الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ما جرى بعد طرد المعترضين من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب روايات العترة الطاهرة الواردة في كتاب سليم بن قيس. حيث يبيّن أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أملى الكتاب العاصم على أمير المؤمنين صلوات الله عليه ليدون فيه أسماء الأئمة وذكر وصف المهدي وشؤونه. وقد أشهد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله على هذا الكتاب كلاً من سلمان والمقداد وأبي ذر الذين وضعوا توقيعهم كشهود. ويؤكد الشيخ أن هذا الكتاب يمثل الوثيقة العاصمة المحفوظة التي سيعرضها إمام زماننا صلوات الله عليه في محكمته العالمية عند ظهوره كدليل على الجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الدين.
يستشهد الشيخ بحديث طويل من كتاب الخصال للشيخ الصدوق يتضمن احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على أبي بكر. ويبين الشيخ أن أبا بكر حاول تبرير اتباعه لإجماع الناس بالاستدلال بحديث منسوب لرسول الله صلى الله عليه وآله يزعم فيه أن الله لا يجمع الأمة على ضلال. فواجهه أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالسؤال عما إذا كان هو وعصابته الممتنعة المتمثلة في سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وسعد بن عبادة من الأمة أم لا. ليوضح له بطلان الاحتجاج بالإجماع المزعوم مع تخلف خيرة الأمة وأوصيائها عنه.
يستشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي برسالة الإمام الهادي صلوات الله عليه في الرد على أهل الجبر والتفويض الواردة في كتاب تحف العقول. حيث يبيّن الإمام الهادي صلوات الله عليه المعنى الحقيقي لحديث لا تجتمع أمتي على ضلالة، مقرنًا إياه بحديث الثقلين. ويوضح الشيخ أن عاصم الأمة الفعلي الذي يحمي إجماعها من الضلال ليس الكثرة العددية، بل هو التمسك بالثقلين والاجتماع تحت لواء وإمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه والأوصياء من بعده. وبدون هذا العاصم تقع الأمة في التيه والضلال والارتداد.
يفند الشيخ الاستدلال بآية: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} التي اعتمد عليها الشافعي وأتباعه لإثبات حجية الإجماع. ويوضح الشيخ أن الآية أجنبية تمامًا عن المدعى، حيث إن سياقها يتحدث عن زمن حضور رسول الله صلى الله عليه وآله ومخالفته. ويستأنس الشيخ بما رواه العياشي في تفسيره عن اعتراض الناس في الكوفة على منع أمير المؤمنين صلوات الله عليه إقامة صلاة التراويح جماعة في شهر رمضان وصراخهم بـ "وا رمضاناه"، حيث قرأ أمير المؤمنين صلوات الله عليه الآية كشفًا لمشاققتهم لسبيل المؤمنين الحقيقي الذي هو صراط علي والأوصياء.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة برسالة عملية يوجهها إلى عموم الشيعة، داعيًا إياهم إلى تنظيف عقولهم وقلوبهم وأديانهم من قاذورات ومناهج النواصب التي رسخها المذهب الطوسي ومراجع حوزة النجف وكربلاء. ويحث الشيخ المؤمنين على العودة والتمسك بالقرآن المفسر بتفسير العترة، والحديث المفهم بتفهيمهم، والتعلم الحقيقي من مصادر العترة الطاهرة المتوفرة. ويوجه الشيخ دعوته الصادقة للمستمعين لمراجعة هذه الكتب وتدبر الحقائق بعيدًا عن تقليد مراجع الضلال الذين يسفهون حديث أهل البيت صلوات الله عليهم، متمنيًا للجميع البصيرة والتوفيق.

