بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 3
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣ – المنزلة القرآنيّة لعقيدة الرجعة ج١
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 3 شهر رمضان 1446هـ الموافق 4 / 3 / 2025م
بدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة باستكمال وتلخيص ما تم بيانه في الحلقتين المتقدمتين حول المنزلة المعرفية لعقيدة الرجعة في دين العترة الطاهرة، مبيناً أن الرجعة ولادة كونية كبرى وأنها تمثل الأرضية الحقيقية لتطبيق برنامج الله وتفعيل دينه، ومذكراً بمركزية هذه العقيدة وارتباطها الوثيق بأساس عقيدة المعاد بناءً على قاعدة أيام الله الثلاثة.
أوضح الشيخ أن الرجعة العظيمة في جوهرها ومضمونها وبدايتها هي رجعة حسينية، تنطلق من الدولة الحسينية التي ستدوم طويلاً لتمهد لاحقاً لظهور الدولة المحمدية العظمى، مشيراً إلى أن يوم الظهور لإمام زماننا صلوات الله عليه يمثل مقدمة وبوابة ضرورية للولوج إلى هذه المرحلة المهولة التي نعجز حالياً عن تخيل أبعادها الحقيقية لافتقارنا إلى المفردات المتناسبة مع هذه الولادة الكونية.
استشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بنصوص الزيارات والأدعية الواردة في كتاب كامل الزيارات وغيره، كدعاء اليوم الثالث من شعبان المروي عن الإمام العسكري صلوات الله عليه، وزيارات الإمام الصادق صلوات الله عليه التي تخاطب سيد الشهداء صلوات الله عليه بوصفه ثار الله في الأرض، مؤكداً أن هذا الثأر تكويني، وأن الأرض التي ضمنت دمه هي عاصمة عصر الظهور وعاصمة الرجعة، مما يرسخ مفهوم القيامة الحسينية كمحاكمة تسبق القيامة الكبرى.
انتقل الشيخ بعد ذلك إلى المحور التفصيلي الجديد وهو المنزلة القرآنية لعقيدة الرجعة، مبيناً أن القرآن الكريم تحدث بغزارة عن هذا المطلب عبر آيات يمكن تبويبها إلى الآيات المؤسسة لعقيدة الرجعة، وآيات تتناول الوقائع التاريخية المحسوسة في الأمم الماضية، وأخرى تفصل الشؤون العامة، متأسفاً على تضييع القوم لآلاف الأحاديث المعصومية الشارحة لهذه المقامات ولم يتبقَ منها سوى القليل بين أيدينا.
في سياق الآيات المؤسسة، استشهد الشيخ بآية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾، موضحاً عبر أحاديث كتاب مختصر البصائر وكتاب تفسير القمي أن الله أخذ العهد على جميع الأنبياء بالعودة إلى الدنيا لنصرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فهو سيد الكرات وصاحب الرجعات الحاضر في كل مراحل عصر الرجعة العظيمة.
بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الترابط الوثيق بين آيات المواثيق المتفرقة، مؤكداً أن ترتيبها الحقيقي يجمع بين أخذ الميثاق العام من الأنبياء، ثم الميثاق الغليظ من أولي العزم في سورة الأحزاب، وصولاً إلى الإشهاد العام في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وكلها تؤسس لقاعدة وراثة الأرض الموعودة في الزبور والذكر لصالح عباد الله الصالحين.
تناول الشيخ دلالات الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، كاشفاً وفق المنهج العلوي في التفسير أن الباطن العميق للآية يخص محمداً وآل محمد صلوات الله عليهم، ومطابقاً إياها مع نص الزيارة الجامعة الكبيرة، حيث أخبر الإمام الصادق صلوات الله عليه أن هذا العطاء الفريد هو ملك الجنة في الآخرة وملك الكرة في الدنيا.
أكد الشيخ حتمية تحقق الوعد الإلهي بالنصر الدنيوي مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ناقلاً قسَم الإمام الصادق صلوات الله عليه بأن هذا النصر الحقيقي للأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين الذين قُتلوا وظُلموا لا يتحقق مطلقاً إلا في الرجعة العظيمة، إذ لا يوجد وقت آخر معلوم يتحقق فيه نصر الله لجميع رسله والمؤمنين مجتمعين في الحياة الدنيا.
شرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن زوال الفتن بشكل تام كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لا يتجلى بأعظم صوره في زمن الظهور أو بدايات الرجعة التي تتخللها حروب وفتن، بل يتحقق التاويل الأعظم في الدولة المحمدية العظمى الخالية من الفتن بعد هلاك إبليس، حيث تتحول الأرض إلى جنة الدنيا ويكون الدين خالصاً لله كما بيّنت روايات كتاب بحار الأنوار.
استعرض الشيخ تأويل آية الاستخلاف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، موضحاً أن هذا الوعد الإلهي المطلق والمؤكد لغوياً يشمل جميع المؤمنين الذين محضوا الإيمان، ولا يتسع له زمان الظهور المحدود، بل يتطلب امتداد عصر الرجعة العظيمة ليتحقق التمكين والأمن المطلقين بعد حقب الخوف، ويشمل الراجعين والمكرورين باستثناء من يكفر خلال فتن الرجعة.
عرّج الشيخ في تحليله القرآني على الآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، مصححاً الفهم السائد للمفسرين، حيث تؤكد أحاديث العترة أن الآية نزلت في المسلمين الذين يقسمون بالله وهم ينكرون ويكفرون بـ عقيدة الرجعة، مشيراً إلى أن هذا الجحود والإنكار لحقائق دين العترة الطاهرة يشمل الواقعين السني والشيعي على حد سواء.
في ختام الحلقة، أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن ضيق الوقت حال دون إكمال بقية التفاصيل القرآنية المتشعبة، واعداً باستئناف البحث في الحلقة القادمة لإيضاح المزيد من حقائق المنزلة القرآنية لعقيدة الرجعة.

