بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 31
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣١ – الإطار الفكري والمعرفي للتفقّه الزهرائي في عقيدة الرجعة العظيمة … ج٢
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 2 شوّال 1446هـ الموافق 1 / 4 / 2025م
يستهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى أنها استكمال للجزء الثاني من الموضوع النظري والعملي الذي تم طرحه في الحلقة الماضية تحت عنوان الإطار الفكري والمعرفي للتفقه الزهرائي في عقيدة الرجعة العظيمة بحسب المنهج اليماني، مبيناً أن الهدف الأساسي هو تحقيق الاستطعام العقلي والقلبي للمطالب الدينية، وضمان التواصل الصحيح مع القرآن الكريم لسبر أغوار وأسرار هذه العقيدة.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول ضرورة الفهم الدقيق لآيات الكتاب المكنون، حيث يؤكد الشيخ أن القرآن لا يُفهم بمعزل عن اللسانية العربية المحمدية، مشيراً إلى قاعدة أن البيان توأم القرآن، فالقرآن من الله والبيان من محمد وعلي وآل علي صلوات الله عليهم أجمعين وتحديداً بعد إبرام بيعة الغدير، ومشدداً على أن هذا البيان ينقسم إلى مراتب الفهم المتسلسلة التي تبدأ من التأويل وصولاً إلى التدبر الشخصي.
يبدأ المطلب العلمي الأول بشرح المرتبة الأعلى وهي مرتبة التأويل، والذي يُعرّف بأنه الرجوع إلى الحقيقة الأولى للمفردة أو الحدث، مستشهداً بقصة الخضر في قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾. ويُبين الشيخ أن الثقافة التي تعتبر التأويل مجرد معنى ثانوي هي في حقيقتها ثقافة شيطانية مصدرها الحوزات المخالفة للعترة، مؤكداً أن الذين يعلمون الأصل وحقيقة القرآن هم الراسخون في العلم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم حصراً وفق المنطق القرآني.
ينتقل المطلب الثاني لتوضيح مرتبة التفصيل التي تلي التأويل في العمق، وهي عبارة عن بيان يُسلط الضوء فيه على المفردات والأجزاء بدقة علمية متناهية، مستشهداً بقوله تعالى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. ويوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذا الكتاب يحتاج إلى مفاتيح التفصيل القرآني التي لا يمكن استخراجها والوقوف عليها إلا عبر البيان المحمدي، وهو ما يشكل الفارق الجوهري لفهم الآيات المحكمات بعيداً عن القراءة السطحية للقرآن.
يتناول الشيخ بعد ذلك مرتبتي التفسير والتدبر، مبيناً أن التفسير هو بيان إجمالي موجز، وقد ورد ذكره في قوله تعالى ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أما التدبر الصحيح فهو أمر شخصي يُشترط فيه استناد المتدبر إلى معلومات صافية مأخوذة من العترة الطاهرة، مستشهداً بآية ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ليؤكد أن مفاتيح هذه القلوب تكمن في العقيدة السليمة ومعرفة الإمام، وبدون إرساء قواعد الدين يتحول الفهم إلى تدبر شيطاني فاسد.
في سياق الحديث عن طبيعة النص، يوضح الشيخ أن الكتاب يجري بين المُحكَم والمتشابِه في أفق العبارة، وذلك لحكمة إلهية تهدف إلى إلجاء الأمة لطلب العلم من منابعه. كما يُعمّق البحث في مفهوم وجدان اللغة، مؤكداً أن لغة القرآن ليست مجرد قواميس جامدة، بل هي لغة الغيب التي تتجسد في اللسانية المحمدية، والتي تختزن الثقافة والعلوم الإلهية التي لا يملك مفاتيحها سوى النبي والأئمة صلوات الله عليهم بعيداً عن سياقات التفاسير المخالفة.
لتوضيح هذه المراتب عملياً، ضرب الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مثالاً تطبيقياً على فريضة الصلاة، مبيناً أنه في مستوى التأويل، واستناداً إلى روايات من كتاب مشارق أنوار اليقين وكتاب تفسير البرهان، يتمثل المعنى الحقيقي الأولي للصلاة في ذوات المعصومين. فقد ورد أن أمير المؤمنين عليه السلام هو صلاة المؤمنين وصيامهم، وأن كل بر ظاهر في التشريع هو تجلٍ من الحقائق النورية الأولى لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم فهم أصل كل بر.
أما في مستوى التفصيل للعبادات، فقد استعرض الشيخ روايات من كتاب علل الشرائع وكتاب تفسير الإمام العسكري عليه السلام لتوضيح علة تشريع الصلاة. وبين أن الصلاة جُعلت مواعيد متكررة لاستدامة ذكر النبي وأهل بيته، وأن من أكبر حدود إقامتها أن يدخل فيها المصلي ويخرج معترفاً بفضلهم، مما يدحض الفتاوى التي تدعي أن ذكرهم مبطل للصلاة، ليؤكد أن الصلاة الحقيقية مبنية أساساً على ولاية أهل البيت.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه بالتنبيه إلى أن وقت الحلقة قد انتهى قبل استكمال التطبيق المتبقي على مرتبة التفسير، واعداً بشرحها لاحقاً. وتتجلى الخلاصة في ضرورة تخليص العقول والقلوب من الانحرافات العقائدية التي زرعتها المؤسسات الدينية المبتعدة عن بيعة الغدير، والعودة الخالصة إلى دين العترة الطاهرة وربط كافة العبادات بالمعرفة الحقيقية للتمهيد لظهور إمام زماننا صلوات الله عليه، مبيناً أن إمامك هو دينك وأن النجاة محصورة في التمسك بهذا الحبل المتين.

