بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 32
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣٢ – الإطار الفكري والمعرفي للتفقّه الزهرائي في عقيدة الرجعة العظيمة … ج٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأربعاء 3 شوّال 1446هـ الموافق 2 / 4 / 2025
يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة الحديث عن الإطار الفكري والمعرفي للتفقه في عقيدة الرجعة العظيمة، مبيناً أن هذه الحلقة هي تتمة لما طُرح في الحلقتين الماضيتين حول التواصل الصحيح مع القرآن. وقد أوضح أنه شرع سابقاً بضرب مثال تطبيقي حول حقيقة الصلاة في مستوى التأويل القرآني وفي مستوى التفصيل، لينتقل في هذه الحلقة إلى تبيان المراتب اللاحقة لبيان كلامهم الشريف.
ترتكز الفكرة المحورية للمحاضرة على بيان المنهج العلوي لتفسير القرآن وارتباطه الوثيق بمقامات البيان النبوي المتدرجة. يوضح الشيخ أن فهم الكتاب الكريم يتدرج من التأويل والتفصيل وصولاً إلى التفسير والتدبر، مشدداً على أن هذه المراتب العقائدية الدقيقة لا يمكن استيعابها بمعزل عن التمسك بمواثيق بيعة الغدير، ومحذراً من المناهج التي تعزل القرآن عن مبينيه الحقيقيين.
انتقل الشيخ لتسليط الضوء على الصلاة في مستوى التفسير، مستشهداً بروايات من كتاب الكافي للكليني، حيث شبّه رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة بعمود الفسطاط، مبيناً أن العبادات بلا العقيدة السليمة التي تمثلها ولاية علي صلوات الله عليه تفقد قيمتها المطلقة. وذكر رواية أخرى تؤكد أن: «لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهٌ وَوَجْهُ دِينِكُمُ الصَّلَاةُ»، معتبراً أن خلو التشهد من ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه يمثل طمساً لحقيقة هذا الوجه، ومشنعاً على من يفتي ببطلان الصلاة بذكره.
وفي سياق بيان القصور العملي والعلمي في أداء العبادات، أورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رواية حماد بن عيسى الذي كان يحفظ كتاب حريز في الصلاة، إلا أن الإمام الصادق صلوات الله عليه بيّن له خلل صلاته وصلى أمامه ليعلمه الحدود التامة لأداء الصلاة المفروضة. واعتبر الشيخ هذا الموقف دليلاً جلياً على حتمية أخذ البيان الإجمالي والتفصيلي حصراً من أهله المعصومين.
أكد الشيخ أن التدبر واجب بنص القرآن الكريم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وشدد على أن هذا التدبر يتطلب مقدمات صحيحة لا تُؤخذ إلا من الراسخين في العلم، وهم حصراً محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، مستنكراً اعتماد المناهج التفسيرية على شخصيات تتأرجح مواقفهم بين المدح والذم في النص القرآني.
وتطرق الشيخ إلى مسألة الصلاة البتراء التي يعتمدها المخالفون، مبيناً كيف أمر الله بالصلاة في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وكيف نهى النبي عن إفراد الصلاة دونه ودون الآل الأطهار. واعتبر أن الإصرار على استبعادهم هو إيذاء صريح لله ورسوله يوجب اللعن.
لشرح ملامح الفهم القرآني السليم، اعتمد الشيخ على نصوص إقبال الأعمال، مورداً مضامين من بيعة الغدير حيث أعلن النبي صلى الله عليه وآله أن فهم آيات القرآن ومحكماته محصور بعلي صلوات الله عليه قائلاً: «فَوَاللَّهِ لَا يُوَضِّحُ تَفْسِيرَهُ إِلَّا الَّذِي أَنَا آخِذٌ بِيَدِهِ». وأكد أن أي ادعاء لفهم الدين خارج هذه البوابة هو نقض لميثاق الغدير وانسياق وراء مناهج الاستحمار المقيتة.
وتناول الشيخ خطب نهج البلاغة لتأكيد أن القرآن ينطق بعضه ببعض فقط من خلال التأويل العلوي، رافضاً منهج تفسير القرآن بالقرآن المنعزل عن العترة كما يطرحه كتاب الميزان. واستحضر تساؤل أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا»، مبيناً أن الهدى وجلاء العمى لا يُستعطى إلا من قريش هاشم الأطهار.
ووصف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي القرآن بأنه خط مستور بين الدفتين لا ينطق بنفسه بل يحتاج إلى ترجمان، مستشهداً بنصوص من الزيارة الجامعة الكبيرة التي تؤكد أن الأئمة هم تراجمة الوحي، وبما ورد في زيارة آل ياسين: «السَّلامُ عَلَيْكَ يَا تَالِيَ كِتَابِ اللَّهِ وَتَرْجُمَانَهُ». وأكد أن ظاهر القرآن الأنيق لا يغني عن باطنه العميق المخصوص بأهل العصمة.
وفي إجابته على كيفية التعامل في زمان الغيبة، أورد الشيخ كلاماً لأمير المؤمنين صلوات الله عليه يصف فيه حال الخُلّص من شيعة إمام زماننا صلوات الله عليه قائلاً: «تَجَلَّى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ»، مبيناً أن الإمام يتولى تسديدهم لتكوين السلاح العلمي والمعرفي لمواجهة الفتن المظلمة.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي محاضرته بالتأكيد على استمرار البحث حول الارتباط الوثيق بين القرآن وفناء أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وشدد على ضرورة التحصين المنهجي للعقول عبر اللجوء المطلق إلى التفصيل والتفسير الصادر عن العترة الطاهرة، واعداً باستكمال هذه المباحث العقائدية في الحلقات القادمة لتجلية بقية الأسرار

