بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 35
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣٥ – التواصل الصحيح مع القرآن ج٦
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 6 شوّال 1446هـ الموافق 5 / 4 / 2025م
يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة ما بدأه في الجزء الأول من الحلقة السابقة، حيث يقدم الجواب الحقيقي على الإشكال المطروح حول اعتراض النبي موسى على أفعال العبد الصالح الخضر، مبيناً أن استيعاب المطالب يتطلب تشخيص منزلة النبي موسى ضمن مسارين أساسيين هما النبؤة المطلقة و النبؤة المقيدة، ليستأنف إكمال ما انتهى إليه في حديثه عن الملامح العامة للنبوات.
تتمحور فكرة الحلقة حول معالجة سوء الفهم الناشئ من ثقافة السقيفة التي تقارن بين مراتب الأنبياء ومراتب محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، حيث يؤكد الشيخ أن وضع الأمور في نصابها وفقاً لقواعد حكمة العترة الطاهرة يرفع أي إشكال في قصة موسى والخضر، وذلك من خلال التمييز الدقيق بين خصائص العصمة المطلقة المخصوصة بالمعصومين الأربعة عشر، و العصمة المقيدة التي يتصف بها سائر الأنبياء والمرسلين.
ينطلق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ليوضح أن الله تعالى نصب على باب القرية مثالاً لمحمد وعلي صلوات الله عليهما، وأمر بني إسرائيل وعلى رأسهم موسى بالسجود تعظيماً لذلك المثال وتوسلاً به لمحو سيئاتهم، مشيراً إلى أن هذه المعاني التأويلية تم طمسها وتضييعها بسبب التحريف والتصحيف.
يستشهد الشيخ بمجموعة من الروايات لبيان عمق هذه العقيدة، منها ما ورد في كتاب غيبة النعماني عن النبي الأعظم الذي شبه أهل بيته بباب حطة، وما نقله عن كتاب الخصال لأمير المؤمنين صلوات الله عليه بأنه باب حطة وباب السلام، ليربط ذلك بما ورد في الزيارة الرجبية للإمام الحسين صلوات الله عليه بوصفه باب حطة الذي من دخله كان من الآمنين، مما يعكس الهندسة المعنوية المحمدية التي تشرح نصوصها بعضها بعضاً بتماسك شديد.
ينتقل الشيخ لتوضيح الفارق الشاسع بين المقامات من خلال قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾، مورداً ما جاء في كتاب بصائر الدرجات عن الإمام الصادق صلوات الله عليه بأن الله أمر واحداً من الكروبيين وهم قوم من شيعتهم من الخلق الأول فتجلى بشيء يسير جداً من نوره للجبل فدكه ومات موسى، مما يثبت بطلان المقايسة.
يؤسس الشيخ لقاعدة عقائدية كبرى خلاصتها أن محمداً وآل محمد هم كائنات إلهية تتمظهر بالصورة البشرية، بينما الأنبياء والرسل هم كائنات بشرية تحسب على محمد وآل محمد في أفنية شيعتهم، مشدداً على ضرورة تنظيف العقول من علم الكلام الناصبي الذي ينكر هذه الحقائق، ومبيناً أن العصمة المحمدية تتجاوز في سعتها حدود القرآن الكريم الذي يعد شأناً من شؤونها ومظهراً من مظاهرها.
يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي شواهد قرآنية تجلي آثار العصمة المطلقة ومقام العبودية الخالصة لنبينا الأعظم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، وقوله في معركة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، مؤكداً أن هذه الآيات تثبت أن أفعال النبي وأنفاسه هي تجلٍّ مباشر لمراد الإرادة الإلهية، وأن المنطق القرآني يطرحها كحقائق وجودية صريحة لا مجازات.
يعرج الشيخ على قصة امتناع إبليس عن السجود لآدم لاستكبار أو لظنه أنه من العالين، موضحاً عبر تفاسير العترة أن العالين هم محمد وعلي وفاطمة والحسنان صلوات الله عليهم، ويربط ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾، مبيناً أن من عنده هم الحقيقة المحمدية المتمثلة في الاسم الأعظم الذي خلقه الله فاستقر في ظله، وهم وحدهم المأمونون على سره وفق المنهج التفسيري الخاص بأهل البيت.
يقدم الشيخ أدق وأعمق تعريف للعصمة مستنداً إلى توقيعات ومأثورات إمام زماننا صلوات الله عليه في دعاء شهر رجب الذي ينص على: «لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ»، معززاً ذلك بما ورد في أدعية المبعث الشريف وما ورد في دعاء علقمة، ليخلص إلى أن ذروة البيان العقائدي تتجلى في الزيارة الجامعة الكبيرة بعبارة: «وَمَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ»، التي تثبت أن عصمتهم هي عصمة الله.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه ببيان الخلاصة العملية والرسالة المستهدفة، مشيراً إلى أن ما صدر من النبي موسى بين يدي الخضر كان طبيعياً ومناسباً لمقامه وشأنه المحدود ضمن دائرة العصمة المقيدة، آملاً أن يكون قد وُفق في توضيح الفوارق الجوهرية بين النبوات، وواعداً باستكمال هذه المطالب الدقيقة والحساسة وتفصيل مجرياتها في الحلقة القادمة لتكتمل الصورة العقائدية الناصعة.

