بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 5
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٥ – المنزلة القرآنيّة لعقيدة الرجعة ج٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 5 شهر رمضان 1446هـ الموافق 6 / 3 / 2025م
استهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه بانتقالة منهجية من استكمال الحديث عن المنزلة القرآنية لعقيدة الرجعة، مبيناً أنه بعد الفراغ من الجهة الأولى المتعلقة بموضوع آيات التأسيس، والجهة الثانية التي تستعرض الوقائع القرآنية لعودة الحياة إلى الأموات في الأمم السابقة، سيواصل سرد بقية هذه الوقائع التاريخية قبل الانتقال إلى الجهة الثالثة التي تتناول شؤون الرجعة بتفاصيلها.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول إثبات تواتر وقوع الرجعة الدنيوية في القرآن الكريم كدليل لا يقبل الدحض على إمكانها المستقبلي، ثم الانتقال إلى تأسيس قاعدة معرفية حاسمة تنص على أن فهم شؤون الرجعة العظيمة في الآيات القرآنية لا يمكن أن يتم إلا بالاعتماد الحصري على منهج العترة الطاهرة ونبذ مناهج التفسير المخالفة، باعتبارهم التراجمة الحقيقيين لكلام الله.
استعرض الشيخ مجموعة من الوقائع القرآنية لإحياء الموتى، منها رفع النبي عيسى الذي توفي وعادت إليه الحياة استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وما ورد في كتاب عيون أخبار الرضا، كما تطرق إلى قصة أصحاب الكهف الذين ماتوا قروناً ثم بُعثوا، مؤكداً أنهم سيشهدون رجعة أخرى مع إمام زماننا صلوات الله عليه، مبيناً وجود قانون الرجعات المتعددة لكبار المؤمنين كسلمان المحمدي وذي القرنين الذي قُتل مرتين وأحياه الله تعالى كما ورد في تفسير العياشي.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الجهة الثالثة المتعلقة بشؤون الرجعة، مشدداً على أن استنباطها يتطلب الالتزام الصارم بما أخذ علينا في بيعة الغدير من مواثيق، ومنها ميثاق التفسير الذي يحصر بيان معاني القرآن الكريم بأمير المؤمنين صلوات الله عليه، مؤكداً أن تجاوز هذا المنهج واللجوء إلى تفاسير المدارس الأخرى يمثل نقضاً صريحاً لحقائق الدين وتضييعاً للعلوم و المعاني الباطنة التي لا يدركها إلا المطهرون.
أوضح الشيخ استناداً إلى نصوص نهج البلاغة أن القرآن الكريم بين الدفتين هو مجرد خط مستور لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وأن محاولة استنطاقه بمعزل عن أهل البيت تمثل انحرافاً عقائدياً، فالنص القرآني مليء بالرموز التي قسمها أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى مستويات، منها ما هو للخواص من المُفَهَّمين، ومنها التأويل العميق الذي استأثر الله تعالى به وبأمنائه من الراسخين في العلم لكي لا يدعي أهل الباطل الإحاطة بكتاب الله.
استشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، مؤكداً أن هذا الوعد الإلهي المطلق لم يتحقق في الماضي ولن يكتمل ظهوره التام إلا في آخر الرجعة العظيمة ضمن ما يُعرف بمرحلة الدولة المحمدية العظمى، حيث يجتمع الأنبياء جميعاً تحت راية النبي محمد صلوات الله عليه وآله لتسود رسالته على كل الأديان.
بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من خلال نصوص تفسير القمي أن كثيراً من الآيات التي تذكر مصطلح الآخرة كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ تُشير في أفق من آفاقها إلى إنكار العقيدة بالرجعة والاستكبار عن ولاية علي، وأن العمى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ يرتبط بالإعراض عن ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما يتبعه من حالة المعيشة الضنكا كعذاب في الرجعة.
تطرق الشيخ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ناقلاً من كتاب مختصر البصائر أن هذا الباب هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه عند عودته في الرجعة، فهو باب الله الذي يمثل الرحمة للأبرار ويمثل النقمة الدامغة للفجار، وهو المعنى ذاته الذي نردده في زياراته المخصوصة بوصفه قسيم الجنة والنار.
في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، أشار الشيخ إلى أن الآيات هم الأئمة صلوات الله عليهم عند رجوعهم، كما بيّن أن مصطلح المُسْتَضْعَفُونَ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لا يُقصد به المعنى السياسي المعتاد، بل هو عنوان خاص يطلق على آل محمد صلوات الله عليهم بوصفهم أهل الحق المعارضين لهيمنة دولة الباطل الممتدة عبر التاريخ.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة برسالة عقائدية راسخة، تؤكد أن القرآن الحقيقي ليس مجرد حروف مسطورة في المصحف، بل هم محمد وعلي وفاطمة والأئمة من المجتبى إلى القائم، داعياً الشيعة إلى التمسك الحصري بمعارفهم والانتهال من معينهم الصافي استعداداً لمرحلة الظهور المهدوي، واعداً باستكمال هذه المباحث العقائدية العميقة في الحلقة القادمة على مائدة الحجة بن الحسن عليه السلام.

