بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 9
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٩ – المنزلة العقائديّة والعباديّة لعقيدة الرَجعة في منظومة الأدعية والزيارات المعصوميّة ج٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الإثنين 9 شهر رمضان 1446هـ الموافق 10 / 3 / 2025م
يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه في هذه الحلقة استكمالاً لما طرحه في الحلقتين الماضيتين تحت عنوان المنزلة العقائدية والعبادية لعقيدة الرجعة، مبيناً أنه بعدما تقدم الكلام حول الزيارات الشريفة، فإنه سينتقل في هذا اللقاء لعرض نماذج من منظومة الأدعية المعصومية، مؤكداً أن التوجه إلى الأئمة صلوات الله عليهم في زياراتهم وأدعيتهم هو التوجه الحقيقي إلى الله سبحانه وتعالى.
يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن العترة الطاهرة قد هندست هذه الأدعية لتكون خزائن المعرفة ولباب القرآن الكريم، مشيراً إلى أن التدبر في أدعية شهر رمضان يكشف عن تركزها حول موضوعين متلازمين هما طلب الحج وطلب فرج إمام زماننا صلوات الله عليه، حيث أن التكرار في ذكر الحج يمثل كناية بلاغية عن التواجد في مكة المكرمة لترقب إعلان الظهور المقدس ما بين الركن والمقام، مما يجعل كل أدعية الفرج في جوهرها أدعية تمهد لاستيعاب عقيدة الرجعة العظيمة.
يضرب الشيخ مثالاً لتوضيح التلازم العقائدي، فكما أن الوضوء مقدمة لا غنى عنها للصلاة، كذلك فإن مرحلة الظهور تمثل الوضوء الممهد لمرحلة الرجعة العظيمة التي هي بمثابة الصلاة، مستشهداً بما ورد في دعاء الافتتاح المروي من الناحية المقدسة، حيث يشير المقطع "اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة" إلى الدولة القائمية في تنزيلها الأصغر، بينما يتجلى تأويلها الأعظم والأكمل في الدولة المحمدية العظمى التي تتحقق فيها العزة المطلقة للإسلام في خواتيم عصر الرجعة.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أدعية نهارات شهر رمضان المتوفرة في مفاتيح الجنان و مصباح المتهجد، مستعرضاً العبارات التي تسأل الله التمكين لذرية النبي وأخذ الثأر بدمائهم، ومبيناً أن هذا التمكين الشامل لا يقع إلا في عصر الرجعة، كما يعرج على دعاء الحج والأدعية المندوبة بعد الفرائض اليومية، مؤكداً أن إشباع الجياع وإغناء الفقراء والسرور الحقيقي لأهل القبور وتخييرهم في العودة لن يكتمل واقعياً وتكوينياً إلا بظهور الحجة بن الحسن عليه السلام وتجلي الولاية التكوينية.
في سياق متصل، يسلط الضوء على دعاء الفرج المخصوص بليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، مؤكداً أنه مروي بأصالة في الكافي الشريف و إقبال الأعمال، وأن عبارة "حتى تسكنه أرضك طوعاً" تدل على الاستقرار في عصر الظهور، بينما تشير تتمتها "وتمتعه فيها طويلاً" إلى العصر القائمي الممتد في مرحلة الرجعة العظيمة، محذراً من قراءة هذه الأدعية دون فقه أو معرفة، وواصفاً إفراغها من مضامينها الحقيقية بغفلة تجعل الإنسان، كما صرح القرآن الكريم، في مرتبة أضل من الأنعام.
ويستدل الشيخ بما خطه الإمام السجاد صلوات الله عليه في الصحيفة السجادية، وتحديداً في الدعاء الثامن والأربعين المخصص ليوم الجمعة وعيد الأضحى، حيث تتضمن كلماته طلب تعجيل الفرج والروح والنصرة والتمكين لمحمد وآل محمد بأجمعهم، وهو دعاء يتحدث عن نصر حتمي لا يقتصر على الماضي أو الحاضر، بل يستلزم حضورهم المباشر والمرئي في عصر الظهور الشريف الذي يمهد بدوره لتحقق هذه الغايات الكبرى في الدولة المحمدية العظمى.
كما يتطرق إلى أدعية المناسبات كدعاء يوم دحو الأرض الذي يسأل فيه المؤمن أن يكون مبعوثاً في كرّة إمام زماننا صلوات الله عليه، وإلى دعاء الحريق الصباحي المروي في مصادر متعددة، مبيناً أن هذه الأدعية والزيارات بكل تفاصيلها إن لم تصرح بذكر الظهور والرجعة فإنها تلمح إليهما باستمرار، لأن برنامج الله الكوني لا يتفعل في الواقع بكل أبعاده وتجلياته إلا من خلال هاتين المرحلتين المتداخلتين.
ويبرز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أهمية دعاء التناول والاستشفاء بالتربة الحسينية كما أورده الكليني في الكافي الشريف وابن طاووس في مصباح الزائر، موضحاً ارتباط الملائكة العكوف على قبر سيد الشهداء صلوات الله عليه وانتظارهم لزمان القائم والرجعة لنصرته، ومؤكداً أن قراءة سورة القدر تمثل ختم المحافظة على بركة التربة الحسينية، وأن الرجعة هي العوض الإلهي الحقيقي عن دماء كربلاء كما ورد في دعاء يوم ميلاد الحسين صلوات الله عليه.
يستعرض أيضاً ما ورد في دعاء العهد من طلب الخروج من القبر شاهراً السيف لنصرة الحجة بن الحسن عليه السلام، ويربط ذلك بالخطبة التعليمية لصلاة الجمعة التي صاغها الإمام الباقر صلوات الله عليه، والتي تلزم الخطيب بقراءة وتدبر الآية القرآنية المحكمة، حيث استشهد بآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، مؤكداً أن تأويلها الأكبر وتطبيقها الفعلي الشامل محجوز حتماً لزمان الرجعة العظيمة.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالته بتوجيه عملي حاسم، منبهاً إلى أن ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان تمثل البداية الحقيقية للسنة في ثقافة العترة الطاهرة، وداعياً المؤمنين إلى عدم الانشغال بالشكليات التي تفرغ العبادات من محتواها، بل بوجوب اتخاذ القرار العقائدي الأسلم المتمثل في قاعدة اعرف إمامك وعرّف بإمامك، ليكون ذلك هو العمل الأعظم الذي تُرفع به الصحائف لنيل توفيق ونظرة إمام زماننا صلوات الله عليه.

